جدول المحتويات
في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها موريتانيا، يبرز النهوض بالقطاع الخاص كخيار استراتيجي لا غنى عنه لتحقيق التنمية المستدامة، فالقطاع الخاص ركيزة أساسية في بناء الاقتصادات الحديثة، إذ يساهم في خلق فرص العمل، وتحريك عجلة الإنتاج، وتعزيز الابتكار، غير أن النهوض به يتطلب جملة من الإصلاحات والإجراءات التي تهيئ بيئة مناسبة لنموه وازدهاره.
إن أُولى خطوات تطوير القطاع الخاص تتمثل في تحسين بيئة الأعمال، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، والحد من البيروقراطية، وتقليص الوقت والتكاليف لإنشاء الشركات عبر رقمنة الخدمات، وفرض الشفافية في الصفقات العمومية، واستقرار القوانين: فالمستثمر يحتاج وضوحًا وثباتًا في القوانين الضريبية، والاستثمارية بصفة عامة، وكذا تعزيز الشفافية لمحاربة الفساد، وسواء كان المستثمر محليًا أو أجنبيًا، فإنه يحتاج إلى مناخ قانوني مستقر وواضح يضمن حقوقه ويُشجعه على توسيع دائرة نشاطه.
كما يُعدّ التمويل من أبرز التحديات التي تعيق نمو المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، مما يستدعي توفير آليات تمويل مُيسّرة؛ كصناديق التمويل والاقتراض الإنتاجي، وتشجيع البنوك على دعم المشاريع الإنتاجية بدل الاقتصار على الأنشطة التجارية، ويمكن كذلك تطوير صيغ تمويل بديلة تتماشى مع خصوصيات مجتمعنا كالتمويل الإسلامي لملاءمته مع واقعنا المحلي.
ولا يقلّ تطوير البنية التحتية أهمية عن غيره، كتوفر الكهرباء بشكل دائم ومستقر وقليل التكلفة، فالكهرباء بالذات في بلادنا مرتفعة التكلفة، ومن أساسيات تطوير البنية التحتية المعينة على الاستثمار؛ تحسين شبكات النقل من موانئ وطرق، وتوسيع خدمات الانترنت وما يتعلق بها من ضرورات الرقمنة، فهذه الأمور كلها عوامل تسهم في تقليل تكاليف الإنتاج وتعزيز تنافسية الشركات، وتضمن جودة المخرجات.
ومن جهة أخرى، يظهر الاستثمار في العنصر البشري كأساس ثابت لكل نهضة اقتصادية، ولن يتأتى ذلك إلا بإصلاح منظومة التعليم والتكوين المهني لتتلاءم مع متطلبات سوق العمل، وكذا تشجيع روح المبادرة لدى الشباب، وربط المؤسسات التعليمية كالجامعات والمعاهد بالقطاع الخاص، بالإضافة إلى التركيز على القطاعات الواعدة في البلاد، مثل الزراعة والصيد والمعادن والسياحة، والعمل على تطويرها عبر التصنيع والتحويل بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام، مما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل جديدة تمتص بطالة الشباب، وتُحرِّك عجلة التنمية.
إن تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وإشراك الفاعلين الاقتصاديين في رسم السياسات، من شأنه أن يخلق انسجامًا أكبر ويُسهم في تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وخلاصة القول في هذا الباب؛ إن النهوض بالقطاع الخاص في موريتانيا يمثل مدخلًا حقيقيًا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولن يتحقق ذلك إلا مع إرادة سياسية قوية، وإصلاحات شاملة تضمن بيئة أعمال مُحفِّزة، وتمويلًا كافيًا، وبنية تحتية متطورة، وموارد بشرية مؤهلة، فمتى ما توفرت هذه الشروط، أصبح القطاع الخاص قادرًا على القيام بدوره الكامل كمحرك رئيسي للنمو والازدهار.
وعلى ذكر القطاعات الواعدة في بلادنا تبرز أهمية الزراعة أكثر من غيرها لامتلاك بلادنا كل المقومات الطبيعية، والإرادة السياسية الداعمة؛ من لدن القيادة الوطنية ممثلة في طموح فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ومن خلال سعي حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي إلى تنزيل ذلك على أرض الواقع، كل ذلك من أجل إحداث نهضة كبرى في مجال الزراعة، وتحقيق السيادة الغذائية، وإحداث قطيعة تامة مع حالة الاعتماد على منتوج غيرنا من دول الجوار.
ومعلوم أن التحولات الاقتصادية العالمية، وتزايد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، جعلت كل دول العالم تسعى جاهدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الزراعة، باعتباره ركيزة أساسية للاستقلال والسيادة، وموريتانيا ليست بدعا عن ذلك، بل هي من بين الدول التي خطت مؤخرا خطوات معتبرة في هذا الاتجاه، مستفيدة من إمكاناتها الطبيعية وبرامجها التنموية الطموحة.
فلقد شهد القطاع الزراعي في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، نتيجة اعتماد سياسات تهدف إلى دعم الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار في الزراعة، فعملت الدولة على استصلاح مساحات زراعية واسعة، خاصة في الضفة، ووفرت البذور المحسنة، وعززت استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة عموما، وزراعة الخضروات خصوصا.
كما ساهمت الجهود الحكومية في دعم المزارعين من خلال التمويل والتأطير الفني، إضافة إلى إطلاق مشاريع كبرى تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل الأساسية مثل الأرز والخضروات، ولم يعد القطاع الزراعي في بلادنا نشاطًا تقليديًا فحسب، بل أصبح مجالًا استراتيجيًا يُعتمد عليه في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتقليص الاعتماد على الخارج.
ومن جهة أخرى، فإن تحقيق السيادة الغذائية لا يقتصر فقط على زيادة الإنتاج، بل يتطلب أيضًا تحسين سلاسل التوزيع والتخزين، والحد من الهدر، وتعزيز الصناعات الغذائية المحلية، وفي هذا السياق، بدأت موريتانيا تخطو خطوات مهمة نحو بناء منظومة غذائية متكاملة.
ويمكن القول إن موريتانيا باتت بالفعل قريبة من تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال الزراعي، غير أن هذا الهدف يظل رهينًا بمواصلة الإصلاحات، وتعزيز الاستثمار، ومواجهة التحديات المناخية، فبإرادة قوية وتخطيط سليم، يمكن للبلاد أن تحقق سيادتها الغذائية وتؤمّن مستقبلها الاقتصادي بكل ثقة وأمان.