تخطى الى المحتوى

مالي.. قراءة في خلفيات الهجوم وأسئلة المصير

حسين لنصاري

جدول المحتويات

في العادة، تكون بيانات المتحاربين مجرد ذرائع للدعاية، لكن ما صدر خلال الساعات الأخيرة من مختلف أطراف الأزمة المالية يرقى إلى مستوى "وثائق تاريخية" تكشف، ملامح زلزال يعيد رسم خريطة المنطقة، لنستمع إلى ما تقوله هذه البيانات لا بصفتها روايات متنافسة، بل بصفتها شظايا لحقيقة واحدة بدأت ترسم خريطة الصراع.

 

أولاً: بيان "الفيلق الأفريقي" الروسي..

دعونا نقرأ بيان القوة الروسية شبه النظامية بعناية، الحديث عن "هجوم واسع لتغيير الحكم" تشارك فيه "استخبارات دول أوروبية وجماعات مسلحة متطرفة وانفصالية" ليس إنكارًا للهزيمة، بل هو في دلالته العميقة، إعلان إفلاس، فعندما يعترف حليف النظام بأن الهجوم بدأ في الخامسة والنصف صباحًا، وشارك فيه "ما بين 10 و12 ألف مقاتل"، واستهدف "القصر الرئاسي" ومنشآت في غاو وكيدال وكاتي وسيفاري، ومطار باماكو الدولي، فهو يقرّ بأن العاصمة لم تعد ملاذًا آمنًا، وأن "معقل المجلس العسكري" في كاتي، الموقع الذي انطلقت منه الانقلابات، قد أصبح في مرمى النيران.

 

والأهم من ذلك، أن إقرار البيان باستخدام المهاجمين صواريخ "متطورة" غربية الصنع، وبمشاركة مقاتلين أوكرانيين وأوروبيين، ليس فقط اتهامًا للغرب، بل هو تفسير روسي لسبب فشل تفوقهم الجوي. إنه اعتراف ضمني بأن الرهان على المرتزقة والعتاد الروسي لتحقيق الاستقرار قد سقط في أول اختبار جدي، وعندما يؤكد البيان أن "الفيلق" نسّق مع الحرس الرئاسي و"سيطر على مطارات وأماكن استراتيجية"، فهو يكشف حقيقة أن النظام لم يعد يحمي نفسه، بل أصبح رهينة تحت حماية أجنبية تدير معركة ربما هي الأخيرة.

 

ثانياً: بيانات جبهة أزواد ونصرة الإسلام.. "عدوّ عدوّك صديقك"

هنا تكمن القطعة الأكثر إثارة في هذا اللغز. جبهة تحرير أزواد تسعى إلى تحرير منطقة شمال مالي وإقامة دولة أزواد، وهو مشروع انفصالي واضح المعالم ليس وليد اليوم، بينما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الفرع المحلي لتنظيم القاعدة، تهدف إلى السيطرة على جنوب مالي وتغيير الحكم في باماكو، بالتنسيق مع شخصيات معارضة وربما ضباط داخل النظام الحاكم. هدفان متناقضان، ومشروعان لا يلتقيان لا في الجغرافيا ولا في الأيديولوجيا، لكن ما يجمعهما اليوم هو منطق "عدوّ عدوّك صديقك" في أنقى تجلياته.

 

وهذه المقولة بالتحديد هي التي تُفهم البيانات شبه المشتركة التي صدرت عن الطرفين، والتي أعلنت رسمياً تحالفهما في تنفيذ هذه الهجمات الواسعة، إنه تحالف تكتيكي بامتياز، لا يلغي التناقض الاستراتيجي بين مشروع الدولة العلمانية الذي تحلم به جبهة تحرير أزواد، ومشروع "الإمارة الإسلامية" الذي تسعى إليه نصرة الإسلام والمسلمين، لكنه يجمعهما مؤقتاً على هدف واحد: إسقاط نظام غويتا. والسر في طريقة إخراج هذا التحالف إعلامياً، أن جبهة تحرير أزواد كانت دائما تريد الانفراد بالظهور الإعلامي دون نصرة الإسلام، لتقديم نفسها كقوة سياسية وعسكرية مستقلة قادرة على حسم المعركة وحدها، لكن إعلاناتهما الأخيرة المشتركة تشير إلى أن الطرفين توصلا إلى تفاهم حول هذه النقطة الحساسة، وقبلت الجبهة بتقاسم الأضواء، مقابل دور محوري في المعارك.

 

ثالثاً: بيان باماكو الرسمي..

في مقابل هذه البيانات الكاشفة، خرجت السلطات المالية ببيان رسمي تحدث عن "تحييد مئات المهاجمين" وعن "السيطرة على الوضع"، في صياغة بدت أقرب إلى بيانات الأنظمة المحاصرة التي تحاول طمأنة أنصارها أكثر مما تعكس واقعاً ميدانياً. وكيف يمكن التأكيد على "السيطرة على الوضع" بينما الجيش اضطر إلى الخروج من كيدال والمهاجمين في باماكو وكاتي وصلوا إلى مراكز قيادية والرئيس نفسه يتنقل بين الثكنات دون ظهور.

 

لكن الأكثر دلالة في بيان باماكو هو تأكيده الرسمي لمقتل وزير الدفاع، الذي قضى متأثراً بإصابة بالغة تعرض لها خلال هجوم انتحاري على منزله، أودى أيضاً بحياة زوجته وأطفاله. هذا الإعلان، المؤلم والصادم، هو الإقرار الوحيد بالحقيقة في بيان مليء بالإنكار، فمقتل وزير الدفاع ليس مجرد خسارة بشرية فادحة، بل هو ضربة رمزية قاسية، الرجل الذي كان يفترض أن يدير الحرب ويحمي العاصمة سقط في بيته مع عائلته، في مشهد يختصر انهيار المنظومة الأمنية برمتها، ويفسر سهولة دخول المهاجمين لقلب قلعة الحكم وإضافة إلى ذلك، لا يزال الغموض يكتنف مصير الجنرال موديبو كوني، مدير المخابرات، بعد نقله إلى المستشفى مصاباً بجروح خطيرة، في مؤشر إضافي على أن رأس الهرم الأمني قد قُطع.

 

رابعاً: بيان تحالف قوى الجمهورية (CFR):

في نفس التوقيت الذي تشتعل فيه المعارك، يخرج بيان سياسي بالغ الدلالة من "تحالف قوى الجمهورية"، بقيادة الإمام محمود ديكو، ليس صدفة أن يصدر هذا البيان الآن، وليس عبثًا أن يدعو إلى "إنهاء حكم العسكر وفتح حوار وطني شامل". فهذا التحالف، الذي يضم شخصيات دينية وسياسية ومدنية نافذة، يرى لحظة صعبة على الحكومة العسكرية ويسارع إلى تقديم نفسه كبديل سياسي جاهز.

 

لكن دلالة البيان أعمق من ذلك بكثير عندما نضعه إلى جانب التحالف المعلن بين أزواد ونصرة الإسلام. إن بيان "تحالف قوى الجمهورية" هو الوجه العلني الناعم لتحركات أوسع تجري في الخفاء، فالمعارضة السياسية، التي قمعها المجلس العسكري وأسكتتها الاعتقالات، تجد في الفوضى الحالية فرصة للعودة إلى الواجهة.

 

والتحالف بين الحركات الأزوادية والمعارضة السياسية والضباط المتذمرين، الذي يجسده منطق "عدو عدوك صديقك"، أصبح الآن ظاهراً للعيان بدرجات متفاوتة من الإعلان والكتمان. بيان التحالف بلهجته الحادة ضد "فشل المجلس العسكري"، هو رسالة إلى الداخل والخارج بأن الشرعية السياسية في مالي لم تعد في ثكنة غويتا، بل في الشارع وقوى المجتمع المدني التي تنتظر لحظة الحصاد.

 

خامساً: الهدف الخفي وراء مزامنة الهجمات..

وهنا لا بد من التوقف عند نقطة بالغة الأهمية قد يغفل عنها المراقب العابر، لكنها تشرح الكثير من نجاح الهجوم في ساعاته الأولى، لم تكن مزامنة الهجمات على باماكو وكاتي وكيدال وغاو وسيفاري ومطار باماكو الدولي في توقيت واحد مجرد صدفة أو استعراض للقوة، بل كانت استراتيجية مدروسة تهدف إلى التشويش على عملية اتخاذ القرار في أعلى هرم الدولة، وإغراق قيادة الجيش بوابل من البلاغات المتزامنة التي تجعل من المستحيل تحديد الأولويات.

 

والأكثر من ذلك، كان استهداف مراكز القيادة نفسها، وعلى رأسها وزير الدفاع، فالرجل لم يكن مجرد مسؤول سياسي، بل كان نقطة التواصل المركزية مع قوات "الفيلق الإفريقي" الروسي، "فاغنر" سابقاً. في العقيدة العسكرية أي تدخل جوي كبير أو تحريك للقوات الثقيلة يحتاج إلى قرارات تتخذ في أعلى هرم الجيش وغالباً بموافقة وزير الدفاع شخصياً، باغتياله في الساعات الأولى، نجح المهاجمون في قطع خط الاتصال الحيوي بين باماكو وحلفائها الروس، مما أدى إلى بطء قاتل في رد الفعل الجوي، وهو ما يفسر لماذا تمكن مقاتلو أزواد ونصرة الإسلام من تحقيق اختراقات ميدانية دون مواجهة الغطاء الجوي الذي طالما شكل نقطة تفوق النظام وحلفائه، وبالتالي الضربة الموجعة التي تلقتها المنظومة الأمنية بمقتل وزير الدفاع وإصابة مدير المخابرات لم تكن مجرد صدفة حظ سيئ، بل كانت اختياراً متعمداً لأهداف تحمل مفاتيح الرد العسكري.

 

سادساً: الإعلام في زمن الحرب..

في تفصيل قد يبدو هامشياً وسط زخم المعارك، لكنه في الحقيقة خيط رفيع يكشف حجم الاختراق داخل أعلى حصون المجلس العسكري، لقد تأخر الإعلام المالي، بناشطيه وصحفه وصحفييه المقربين من السلطة، في الوصول إلى الخبر اليقين، بينما كانت وسائل إعلام فرنسية وأجنبية تنشر الأخبار والتحديثات بتفاصيل اتضح أنها دقيقة، بما في ذلك نبأ وفاة وزير الدفاع قبل ما يقارب 24 ساعة كاملة قبل إعلان باماكو الرسمي.

 

هذا الفارق الزمني ليس مجرد سبق صحفي يُحسب لوسيلة على أخرى، بل هو دليل استخباراتي ناصع على أن للفرنسيين مصادر قوية داخل المنظومة العسكرية المالية، قادرة على نقل المعلومة من قلب غرفة العمليات إلى عناوين الصحف قبل أن يجرؤ الإعلام المحلي على الهمس بها.

 

الوساطة الإقليمية: إرث الجزائر وموريتانيا..

في هذه الصورة المركبة، لا يمكن للمراقب إلا أن يعود إلى السؤال الجوهري: هل من وسيط قادر على لملمة هذا الشرخ قبل أن يبتلع مالي بأكملها؟ الجزائر وموريتانيا، الجارتان اللتان تملكان أطول حدود مع مالي وأعمق تجربة في التعامل مع أزماتها، تقفان اليوم على الهامش رغم إرثهما الدبلوماسي الثقيل، والسبب ببساطة هو أن علاقتهما مع المجلس العسكري في باماكو تدهورت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.

 

الجزائر تحديدًا تملك سجلاً حافلاً بالوساطة في الملف المالي، لا يمكن لأي متابع تجاهله، هي التي رعت مفاوضات التسعينات و "اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة" عام 2015، بعد جولات ماراثونية جمعت الحكومة المالية آنذاك بحركات أزواد، في محاولة لإنهاء دوامة التمرد المتكرر، كانت الجزائر ولا تزال تعتبر نفسها "العاصمة الطبيعية" لحل أزمات الساحل، بحكم خبرتها الأمنية في محاربة الإرهاب، وعلاقاتها التاريخية مع قادة الطوارق والعرب في الشمال، ورفضها المبدئي لأي تدخل عسكري أجنبي في جوارها المباشر.

 

لكن هذا الإرث اصطدم بصخرة المجلس العسكري الحالي، الذي اختار التحالف مع روسيا، واتهم الجزائر مراراً بالانحياز إلى "الانفصاليين"، وجاءت حادثة إسقاط طائرة تين زواتين، وتبادل طرد السفراء، وإغلاق قنوات الاتصال التقليدية.

 

أما موريتانيا، فقد أثبتت في 2014 أنها قادرة على صنع المعجزات الدبلوماسية عندما يتوفر الحد الأدنى من الثقة، ففي ذلك العام، تمكنت نواكشوط من إيقاف حرب طويلة كانت تلوح في الأفق، ورعت توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية، وهو اتفاق وُصف بأنه "الأسرع" في تاريخ النزاع، السر كان في حيادها المقبول من الجميع، وفي فهمها العميق للتركيبة القبلية والاجتماعية للمنطقة، وفي قدرتها على التحدث بلغة مفهومة لدى الجميع دون غطرسة، لكن هذا الحياد أصبح موضع شك لدى العسكر الحاليين، الذين يرون حياد نواكشوط مع الأطراف تهديدًا لسلطتهم.

 

ومع ذلك، ورغم فتور العلاقات، يظل التأثير الجزائري حاضراً بقوة في المشهد، فقادة أزواد لم يقطعوا خيوط التواصل مع الجزائر العاصمة، وكثير منهم يعتبرونها "الضامن التقليدي" لأي اتفاق مستقبلي. والوساطة الجزائرية، إن وجدت الإرادة السياسية لدى باماكو، أو لدى من سيحكم باماكو لاحقاً- قد تنجح في فك الاشتباك الحالي، فصيغة "اتفاق الجزائر" ربما تكون قد ماتت سياسياً، لكن منهجية "الحوار الشامل" التي تمثلها لا تزال الأقرب إلى الواقع المالي المعقد، حيث لا يمكن لأي طرف أن يحسم الصراع عسكرياً، الجزائر وموريتانيا، رغم جفائهما مع العسكر، قد تكونان الوحيدتين القادرتين على تحويل هذا المخاض الدموي إلى مسار سياسي، ليس حباً في باماكو بالضرورة، بل خوفاً من الفوضى التي ستعبر الحدود بلا تأشيرة.

 

وأخيراً، قراءة في التوقيت: لا علاقة للصحراء الغربية..

في خضم هذا السيل من الأحداث، تخرج أقلام غير منطقية لتربط ما يحدث بقرار مالي الأخير الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية، أو بزيارة السياسي المالي المعارض عمر ماريكو لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وكأن الهجوم الواسع والمعقد الذي نشهده اليوم هو رد فعل غاضب وسريع على هذين التطورين، هذا الطرح لا يصمد أمام أبسط قراءة تحليلية لطبيعة العمليات العسكرية واللوجستية التي تتكشف أمامنا.

 

هجوم يضم ما بين 10 و12 ألف مقاتل، يتحركون بتنسيق متزامن في خمس مدن رئيسية، ويتسلحون بصواريخ أرض - جو متطورة يتطلب تهريبها وتدريب العناصر عليها أشهراً من الإعداد، لا يمكن أن يكون وليد قرار ارتجالي أو رد فعل غاضب على موقف دبلوماسي، التخطيط لهذا المستوى من العمليات يحتاج، وفق أي تقدير عسكري واقعي، إلى أشهر طويلة، وربما إلى سنة كاملة من التجهيز اللوجستي، وتجنيد العناصر، وتأمين خطوط الإمداد، وتنسيق التوقيت بين جبهات متباعدة ومجموعات كانت حتى الأمس القريب متنافرة الأيديولوجيا.

 

ما يحدث اليوم هو تتويج لعملية تخطيط استراتيجي طويل النفس، بدأ قبل وقت طويل من أي حديث عن الصحراء الغربية أو عن زيارة ماريكو، الحركات الأزوادية والجماعات الجهادية في الوسط والجنوب، والمعارضة السياسية في الداخل، كلها كانت تراقب التآكل التدريجي لنظام غويتا، وتبني قدراتها بهدوء، وتنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.

 

الخلاصة التي يجب أن تستقر في الأذهان هي أن هذا الزلزال ليس هزة عابرة مرتبطة بمتغير دبلوماسي، بل هو إعادة تشكيل عميقة لخريطة النفوذ في الساحل، خططت له قوى متعددة على مدى عام كامل، وتوشك أن تصل إلى ذروتها إن لم تجد وسيطا جادا ورغبة سياسية فعلية.

الأحدث