جدول المحتويات
بوصفي أستاذاً في الاقتصاد والتسيير، لا متخصصاً في القانون؛ أتناول هذه القضية – بحذر - من زاوية تحليلية مرتبطة بالحكامة، والتوازن المؤسسي، وانعكاسات مثل هذه الأحداث على مناخ الثقة والاستقرار العام، ومسيرة التنمية، فالقضايا ذات الطابع السياسي والمؤسسي، لا تنفصل عن محيطها الاقتصادي والاجتماعي، بل تتقاطع معه بشكل وثيق، وهو ما يدفعنا إلى التفكير في هذه القضية بعمق ومسؤولية، وشموليةِ رؤيةٍ، بعيداً عن الاصطفافات الضيقة أو القراءات الأحادية، أو المواقف العابرة، التي قد يطبع بعضها حسن نية، وقد ينبع بعضها من دافع سياسي منبَتٍّ عن الواقع العام للبلد وتماسك بنْيَته وتكامل مؤسساته.
في مشهدٍ أثار جدلاً واسعاً، أقدمت السلطات الموريتانية على توقيف نائبتين في البرلمان، في خطوة برّرتها وزارة العدل بحالة "التلبس"، التي تُسقط الحصانة البرلمانية وفق القانون. وبين مؤيد يرى في الإجراء تطبيقاً - لا شِيَةَ فيه - للنصوص القانونية الصريحة، ومعارض يعدّ الخطوة مساساً صارخاً بروح الحصانة البرلمانية وحرمة ومكانة المؤسسة التشريعية؛ يظل الجدل القانوني قائماً ومفتوحاً، بل قد يتوسع للتفاصيل القانونية، وتأويلات المشرّع، اثناء مساءلة النائبتين أو محاكمتهما.
غير أن ما يثير الاستغراب أكثر من الحدث نفسه، هو حالة الصمت التي تخيّم على جزء كبير من المشهد السياسي، خاصة من طرف المعارضة، التي يُفترض أن تكون في مقدمة المدافعين عن التوازن بين السلطات وصون المكتسبات الدستورية، بعض النظر عن الموقف من هذا النائب أو ذاك، فبينما ينتظر الرأي العام مواقف واضحة وقوية، تصاحب غالباً هذا النمط من التوقيف، الذي تتصادم فيه خصوصيات المؤسسات؛ يبدو أن الصوت خافت، بل يكاد يغيب في لحظة كان يُفترض أن تكون لحظة مساءلة ونقاش جاد ورأي صريح صارم على الأقل؛ إن لم تكن لحظة تحرّك وتصعيد، لا يمثل طيفاً سياسيّاً محدَّداً، إلا بقدر ما يعزف على أوتار صرامة الحدود والمساحات المرسومة بين المؤسسات.
وللتنبيه، أنا هنا أصف واقعاً وأتحدث من منظور أكاديمي بحت؛ يصف ويعرض الوقائع، من دون التماهي مع مزاج سياسي، لا أفِرُّ منه لكن أحتفظ بإبدائه في سياقه، لذا لستُ بصدد إصدار أحكام مسبقة، بل لطرح تساؤلات مشروعة في هذا السياق، لعلّ في ذلك مساهمةً متواضعة، تقود إلى فهم أشمل وحلّ أفضل. وهذه الأسئلة قد تتبادر إلى أيّ قارئ عاديّ، لا يسوّره هذا التوجه السياسيّ أو ذاك، ولا تحجبه المضامين المكتومة عن البحث عن الفهم والإدراك، وهي أسئلة - على بساطتها - بالغة الأهمية، لارتباطها بمؤسسات الدولة الكبرى، التي يتفرع عنها كل ما سواها. ومن أهم هذه الأسئلة: أين دور البرلمان كسلطة رقابية؟ وأين صوت المعارضة في قضايا تمس جوهر العمل الديمقراطي؟ وهل سيظلّ جدل حدود الحصانة - من حيث حقوق النائب وواجباته (ما له وما عليه) - مثار جدل يتجدد كل مرة في ثوب جديد وقضية مختلفة؟
ومن المعلوم - من زاوية اقتصادية - أنّ نُظم الحكامة في العالم، في كل جوانبها الاقتصادية، مرهونة بالجوانب السياسية، لصيقة بمدى كفاءة المؤسسات، التي ترعى سير الحياة العامة، وقد نص المشرّع على دور كل مؤسسة منها، وتطور التنمية الاقتصادية - بدءاً بالأداء المحلي ووصولاً إلى المستثمر الأجنبي - مرهونٌ بالتعاطي السياسي في البلد - أيّ بلد - وأي خدش قد يعتري إهمال القانون - مهما كان مجاله - ينعكس سلباً على الاقتصاد ومسار التنمية؛ المسار الجامع لكل مجالات الحياة.
إخوتي؛ العصر لم يعد عصر إهمال وتجاوز، فقوة الشعوب اليوم - خصوصاً نخبتها السياسية والحقوقية والأكاديمية - تُقاس بيقظتها وقدرتها على التفاعل مع القضايا العامة، بل استباق ما يلائمها من خطوات بالاستشراف والدراسات والرؤى المستنيرة، ولم تعد في السكوت سَعة في القضايا الوطنية الجامعة. وما نحتاجه اليوم ليس الانفعال الجامح، ولا الإهمال البارد، بل نحن بحاجة إلى وعيٍ جماعي، ونقاشٍ مسؤول، ومواقفَ تُعبّر عن حجم التحديات التي نواجهها، ولا يكون ذلك بالمشاهدة والانتظار، بل بالتناول المعتدل لكافة القضايا التي قد يتسرب من ثغورها شكّ، يهدد تماسك المؤسسات، أو يمسّ الحريات في البلد، أو يُفقد المواطن ثقته في القانون وحرمة الجهات - كل الجهات - التي تستمدُّ - بطبيعة الحال - مكانتها من القانون لا غير.
وعند الصدق مع الذات في الطرح، قد تتحول مثل هذه الأحداث إلى فرصة لتعزيز دولة القانون، لا إلى محطة أخرى تُضاف إلى سجل السقوط الحر وردود الفعل غير المدروس.
وختاماً، نأمل أن تدفعنا هذه الوقائع إلى التفكير الجاد في مستقبل وطننا، وفي الأسباب والتصرفات التي قد تعكّر صفو تنميته، وتؤثر على مساره. والسعي في مستقبل الوطن يحتم دراسة مختلف الإشكالات فيه بروح أريحية تجمع ولا تفرّق، والبحث عن حلول واقعية - دائمة لا مؤقتة - لكل معضلة، وما دامت أعتى الأطراف المتنازعة في العالم تلجأ إلى التفاوض والتشاور، فكيف بنا - نحن أبناء الوطن الواحد - ألا نحتكم إلى الحوار والتفاهم من أجل بناء مستقبل مشرق، ينعم فيه كل مواطن بالأمن والاستقرار؟ ذلك ليس مستحيلاً، بل هو أمرٌ ممكن وميسور إذا توفرت الإرادة الصادقة والتصميم الجاد.
وفي الأخير، أؤكد أن هذا الطرح لا يدّعي الإحاطة بالجوانب القانونية للموضوع، بل هو مجرد إثارة لهذا الإشكال من منظور اقتصادي وإداري وتنموي، قد لا يركن إلى الإشكالات القانونية التفصيلية، بل يركز على أهمية الثقة المؤسسية، وفعالية الأدوار، وانعكاسات الممارسات السياسية على التنمية والاستقرار، فبناء الدول لا يقوم فقط على النصوص، بل على حسن تطبيقها، وعلى وعي الفاعلين بمسؤولياتهم تجاه ما يمليه الحاضر، وما يتطلبه المستقبل من تدبير وحسن أداء.