تخطى الى المحتوى

انتصاران: سيناء نموذجا.. وهرمز ورقة

ديدي ولد امحمد - ضابط سابق

جدول المحتويات

عند قراءة تحولات الشرق الأوسط من زاوية كسر الهيمنة الإسرائيلية تبرز حرب أكتوبر 1973 كنقطة فاصلة كلاسيكية: دولة مصر تخوض حربا محدودة ضد إسرائيل تكسر فيها أسطورة التفوق العسكري الإسرائيلي وتستعيد أرضها سيناء تدريجيا عبر مفاوضات تنتهي باتفاق سلام.

 

لكن السؤال الذي تطرحه الحرب الدائرة اليوم بين إيران وإسرائيل 2026 والحليف الأمريكي هو: هل يمكن تكرار السيناريو ذاته بأدوات مختلفة؟

 

في الحالة المصرية كان الهدف واضحا ومحدودا: عبور القناة تدمير "خط بارليف"، ثم الجلوس إلى الطاولة لاسترداد كل شبر من سيناء. ولم تكن مصر تطمح إلى القضاء على إسرائيل، بل إلى إجبارها على الاعتراف بحقها في الأرض. وهذا ما تحقق فعلا بعد حرب الاستنزاف وكامب ديفيد عادت سيناء إلى السيادة المصرية وانتقلت العلاقة من عداء مفتوح إلى سلام بارد لكنه مستقر.

 

أما إيران اليوم فتدخل حربا من نوع مختلف لم تخض معركة لاسترداد أرض محتلة بل لتفكيك حصار وإثبات أن عقيدة "الردع الصاروخي" قادرة على موازنة التفوق الجوي والتكنولوجي لإسرائيل وحلفائها. ورغم الضربات الموجعة التي تلقتها طهران إلا أنها حققت أمرين بالغي الأهمية: أولا لم يسقط نظامها وهو ما كان حلما أميركيا - إسرائيليا منذ عقود. ثانيا أبقت على مضيق هرمز - ورقة ضغط -  مفتوحا تحت تهديد دائم محولة إياه من ممر ملاحي إلى سلاح استراتيجي يمنحها نفوذا لا تمتلكه أي دولة في المنطقة.

 

هنا يكمن الفارق الجوهري مصر في 1973 ضحت بخشونة المواجهة مقابل استعادة الأرض والسلام. إيران اليوم لا ترغب في السلام التقليدي بل في اتفاق جديد يراعي توازن القوى ويبقي لديها أوراق ضغط حية وعلى رأسها هرمز.

 

والمفارقة أن كلا من النموذجين انتهى أو سينتهي إلى "اتفاق". اتفاق كامب ديفيد أعطى إسرائيل أمنها الجنوبي مقابل سيناء. والاتفاق القادم المنتظر بين إيران والغرب سيعطي إسرائيل هدوءا مؤقتا مقابل بقاء هرمز والبرنامج الصاروخي في يد طهران.

 

إذا كانت حرب أكتوبر قد أعادت رسم الحدود فإن الحرب الحالية تعيد رسم قواعد الاشتباك. وفي كلتا الحالتين، أثبتت الدولتان أن كسر الهيمنة لا يحتاج إلى تدمير الخصم بل إلى امتلاك ورقة لا يستطيع أحد تجاوزها: سيناء كانت ورقة مصر، وهرمز أصبح ورقة إيران.

 

ديدي ولد امحمد

الأحدث