تخطى الى المحتوى

مؤتمر قادة الدوائر في أطار 1945: لحظة تأسيسية في تشكّل مشروع الدولة الموريتانية

محمد سالم ولد لكبار 

جدول المحتويات

يعد مؤتمر قادة الدوائر الذي انعقد في مدينة أطار في يونيو 1945 محطة مفصلية في تاريخ موريتانيا خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، إذ جاء في سياق تحولات عميقة شهدتها المنطقة عقب الحرب العالمية الثانية، وفي أعقاب حدث إداري بالغ الأهمية تمثل في ضم منطقة الحوض إلى المجال الترابي الموريتاني بتاريخ: 5 يوليو 1944، ومثل هذا الضم توسعا جغرافيا واستراتيجيا عزز من أهمية موريتانيا داخل المنظومة الاستعمارية الفرنسية في غرب إفريقيا، وفرض في الوقت ذاته تحديات جديدة تتعلق بالإدارة، والاقتصاد، والسيطرة السياسية، في هذا السياق، برزت الحاجة إلى إعادة صياغة رؤية شاملة لتنظيم المستعمرة، وهو ما سعى إليه مؤتمر أطار من خلال جمع قادة الدوائر الإدارية لمناقشة المشكلات الأساسية للبلاد بشكل جماعي ومنهجي، وبعد أسبوع كامل من الأشغال، قدم المشاركون خلاصة نقاشاتهم إلى الحاكم، في عمل وصف بأنه تأسيسي، حيث صيغت فيه مبادئ توجيهية كبرى، سياسية واقتصادية، كما تمت دراسة تطبيقات عملية مفصلة، واستخلاص الأفكار الأساسية التي ستبنى عليها الخطط الخمسية اللاحقة.

 

أولا: المبادئ التوجيهية الكبرى: نحو بناء الدولة

افتتحت الجلسة العامة الختامية يوم الأحد 24 يونيو 1945 برئاسة حاكم موريتانيا، وبحضور القيادة العسكرية، حيث ألقى حاكم المستعمرة خطابا تضمن عرضا تحليليا للمخرجات، واستخلص منه أربعة عشر مبدأ موجها للسياسة الاستعمارية في موريتانيا، وجاء المبدأ الأول ليؤكد الطموح المركزي للمؤتمر: تحويل موريتانيا إلى (مستعمرة كبرى)، وهو تصور يرتكز على تحقيق توازن مالي ذاتي دون الاعتماد على الإعانات، ونقل مركز القرار إلى داخل التراب الموريتاني، وتعزيز استقلالية الإدارة المحلية، إضافة إلى الاستغلال (العقلاني) لموارد البلاد، غير أن هذا الطموح اصطدم بواقع اقتصادي هش، ما دفع الحاكم إلى اقتراح حلول بديلة، من بينها السعي لتوسيع المجال الترابي بضم جزء من الضفة اليسرى لنهر السنغال، رغم المعارضة السنغالية، مع الدعوة إلى زيادة الضرائب لإثبات القدرة على الاستقلال المالي، كما تناول الخطاب مسألة اختيار عاصمة داخلية، حيث طرحت عدة مواقع مثل صالصال وروصو ونواكشوط قبل استبعادها، ليبقى الخيار بين بورتانديك (التي اقترح تسميتها بور كوبولاني) وأطار، مع الإبقاء على سان لويس كمركز ثانوي. كذلك أُقر مبدأ استقلالية رؤساء المصالح تدريجيا عن سان لويس رغم محدودية الكوادر.

 

وفي سياق الإصلاح الاجتماعي، شدد المبدأ الثاني على ضرورة إلغاء بعض العادات التي اعتبرت غير متوافقة مع "التطور"، خصوصا ما يتعلق بفداء (الحرامات) وتنظيم علاقات العمل بين السادة والخدم، في محاولة لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية وفق منظور استعماري إصلاحي تدريجي، أما المبدأ الثالث فتمثل في الدعوة إلى اعتماد نظام إداري جديد يقوم على تقسيم البلاد إلى مناطق بدل الدوائر، مع منح صلاحيات واسعة لقادة هذه المناطق، بما يعكس توجها نحو مركزية القرار الإداري مع إعادة توزيع أدوات السيطرة، وفي المقابل، أكد المبدأ الرابع على ضرورة الحفاظ على مظاهر السيادة في المناطق الصحراوية ذات الأهمية الاستراتيجية، رغم ضعفها الاقتصادي، مثل أطار وعيون العتروس، لما تمثله من رمزية أمنية وسيادية.

 

ثانيا: الاقتصاد والبنية التحتية: بين منطق السيادة ومنطق الاستثمار

عكست بقية المبادئ تصورا اقتصاديا وبراغماتيا يوازن بين متطلبات السيطرة ومقتضيات التنمية، فقد دعا المبدأ الخامس إلى إنشاء "مناطق استثمار" في الجنوب وعلى ضفاف النهر، عبر تطوير الزراعة والصناعة لتحقيق الاكتفاء الغذائي وتعزيز الدور التجاري لموريتانيا إقليميا، وفي هذا الإطار، برزت إشكالية النقل والمواصلات كأحد أبرز التحديات، حيث تناولها المبدأ السادس ضمن رؤية تخطيطية خماسية ترتكز على تطوير المسالك الصحراوية بدل الطرق المعبدة، واعتماد وسائل نقل ملائمة للبيئة، وتقليص الاعتماد على الجمال تدريجيا، وربط مناطق الإنتاج بمراكز التجارة، كما تم التأكيد على أهمية النقل الجوي كوسيلة أساسية لضمان الاتصال الإداري في ظل اتساع المجال الجغرافي، مع حصر استخدامه أساسا في المهام الحكومية، إلى جانب البريد، والإجلاءات الصحية، وبعض المهام العسكرية.

 

وفي السياق ذاته، جاء المبدأ السابع ليؤكد ضرورة تطوير شبكة الاتصالات السلكية واللا سلكية ضمن مخطط خماسي طموح، يهدف إلى ضمان استمرارية ممارسة السيادة الفرنسية عبر مجال واسع ومفتوح، أما المبدأ الثامن فركز على إشراك السكان المحليين في استغلال الموارد، من خلال تحفيزهم ماديا ومنحهم امتيازات في الأنشطة الاقتصادية، مع ربط ذلك بمنطق الانضباط، بما يكشف عن محاولة خلق توازن بين الإدماج والسيطرة، ومن جهة أخرى، حدد المبدأ التاسع دور المصالح الفنية في تقديم الاستشارة فقط، مع إبقاء القرار والتنفيذ بيد الإدارة، وهو ما يعكس هيمنة المقاربة الإدارية على حساب الخبرة التقنية في هذه المرحلة.

 

ثالثا: التعليم والصحة وآفاق التحول: نحو إعادة تشكيل المجتمع

امتدت رؤية المؤتمر لتشمل البعد الثقافي والاجتماعي، حيث نص المبدأ العاشر على توظيف التعليم العمومي كأداة لتوجيه الأجيال نحو أهداف المشروع الاستعماري، من خلال تكوين نخبة فكرية ومهنية، والتركيز على إعداد تقنيين وعمال مهرة وأطر عليا من أبناء البلاد بدل الاقتصار على موظفين إداريين، وفي إطار تحديد الأولويات، دعا المبدأ الحادي عشر إلى تركيز الجهود على مناطق الاستثمار، مع الإقرار بإمكانية حدوث اختلال بينها وبين مناطق السيادة، بل واحتمال تراجع أهمية هذه الأخيرة في حال نجاح النموذج التنموي الجديد.

 

أما في المجال الصحي، فقد شدد المبدأ الثاني عشر على تعميم الخدمات الطبية دون تمييز، بما يعزز الحضور الاستعماري في المجال الاجتماعي ويكرس شرعيته، وفي أفق التحول المستقبلي، أشار المبدأ الثالث عشر إلى إمكانية انتقال بعض مناطق السيادة إلى مناطق ازدهار في حال اكتشاف موارد جديدة، مستشهدا بإمكانية تحول أطار إلى مركز سياحي، وأكجوجت إلى قطب معدني، وأخيرا جاء المبدأ الرابع عشر ليؤكد ضرورة الجمع بين الجرأة والحذر في تنفيذ هذه السياسات، نظرا لحساسية المجتمع المحلي وتأثره بالعوامل الخارجية، مع التأكيد على إمكانية التراجع أو التعديل عند الضرورة.

 

رابعا: خاتمة: المؤتمر كـ"ميثاق" تأسيسي وإرهاصات الدولة الموريتانية

اختتم المؤتمر بتأكيد الحاكم على أهمية هذا اللقاء بوصفه تجربة جماعية ناجحة مكنت من تبادل الرؤى وتعميق الفهم المشترك، مع الإعلان عن نية تجميع مخرجاته في مؤلف يُعد بمثابة "ميثاق موريتانيا"، يوجه العمل الإداري في المرحلة المقبلة، كما تم توجيه الدعوة لعقد مؤتمر ثانٍ في فبراير 1946، بما يعكس الطابع الاستمراري لهذا المسار، ويمكن القول إن مؤتمر أطار 1945 لم يكن اجتماعا إداريا عاديا، بل مثل لحظة تأسيسية في بلورة مشروع استعماري متكامل لإعادة تنظيم موريتانيا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، كما ساهمت المبادئ التي أقرها في وضع الأسس الأولى لبنية الدولة الموريتانية لاحقا، سواء من حيث المركزية الإدارية، أو التخطيط الاقتصادي، أو توزيع المجال بين مناطق سيادة و استثمار، أو حتى في تشكيل النخب عبر التعليم، ومن ثم فإن هذا المؤتمر، الذي جاء في أعقاب ضم الحوض، يمكن اعتباره إحدى اللبنات الأساسية في المسار التاريخي الذي أفضى إلى نشوء الدولة الموريتانية الحديثة، وإن كان ذلك ضمن إطار استعماري حمل في طياته تناقضات بين أهداف التنمية ومنطق السيطرة.

الأحدث