جدول المحتويات
يشكو الأساتذة والمعلمون في زماننا من ظاهرة متنامية في المدارس هي ظاهرة مشكلة الفوضى داخل الفصول الدراسية، الأمر الذي يعطل سير الدرس، ويضيع الوقت، ويؤثر على جودة التعلم.
وهنا يحق لنا أن نتساءل هل هذه الظاهرة ناتجة عن ضعف تأطير المدرسين؟ أم لها علاقة بضعف الإدارة واكتظاظ الفصول؟ أم للأسرة دور محوري فيها؟ وهل لانتشار الهواتف الذكية في المحيط المدرسي دور في خلق الفوضى؟ أم هي ظاهرة عامة تتطلب إصلاح المنظومة التربوية بأكملها؟ يقال إن الأسئلة أهم من الأجوبة، ويمكن تلخيص الأمر في ثلاث محاور أساسية: أسباب الظاهرة، مضاعفاتها على الوسط المدرسي، طرق معالجتها.
أولا: وصف الظاهرة وأسبابها:
لقد ذكر عدد غير قليل من المدرسين والعاملين في الإدارة ممن استطلعنا آراءهم من مدرسي المدارس العمومية والمدارس الخاصة (حوالي 12 مدرسة من ولايات نواكشوط الثلاث) لقد نبهوا جميعا أن الظاهرة تجاوزت الخطوط الحمراء مما يستلزم انتباه الجهات المعنية حيث يمكن وصف الأجواء في بعض الفصول بغابة تصعب السيطرة عليها، فهذا يتحدث مع زميله، وذلك يتشاجر مع آخر ويتحدى المدرس، وتلك منشغلة بالمرآة وبأدوات الزينة التي في حقيبتها، وأولئك يرمون بعضهم بعضا بالطباشير أو بعلب من الأوراق التي تحمل خطابات بذيئة في العادة، وكأن الفصل أصبح ملعبا رياضيا أو ساحة للترفيه، لا أحد يستقبل الأوامر وفي كثير من الأحيان ينتهي الوقت: اسكت، اجلس، اخرج. عمال الإدارة مشغولون بضبط المطرودين والمتشاجرين والمدرسون في حيرة من هذا السلوك المشين، ومن سرعة إعادة المذنبين إلى الفصول بعد عقاب خفيف لأسباب يجهلونها. وأنبه هنا أن هذه الظاهرة كانت منحصرة في مواد الهوية واللغات الأجنبية، لكنها بدأت تتوسع لتشمل المواد الأساسية. وحتى لا أعمم أشير إلى أن هناك بعض المدرسين المتميزين من أساتذة ومعلمين يضبطون فصولهم لكن عددهم قليل بالمقارنة مع الصنف الآخر. فما هي أسباب هذه الظاهرة التي وصفنا جانبا منها:
إن أسباب ظاهرة الشغب والفوضى كثيرة لكن نذكر منها:
1. ضعف تأطير المدرسين:
إن أغلب المدرسين من أساتذة ومعلمين تنقصهم الخبرة، لأن برنامج التكوين المستمر يكاد يكون معدوما، والمفتشيات وأقطاب التعليم لا تقوم بالدور المطلوب لأن وسائل هذه المؤسسات متواضعة، هذا فضلا عن النقص الحاد في أعداد المدرسين، الأمر الذي دفع الوزارة إلى اكتتاب مقدمي الخدمات الذين عمقوا الأزمة وزادوا من نسبة ضعف المخرجات التعليمية، لأن الوزارة رمت بهم في فصول مكتظة، ولم تعطهم التكوين اللازم على طرق التدريس، وأساليب ضبط الفصل.
2. أساليب التدريس التقليدية:
إن أغلب الوسائل المتبعة لا تقوم على التواصل والحوار بل تركز على التلقين وإملاء الدروس، مما يجعل التلاميذ يشعرون بالملل حيث يغلب النوم على البعض ويشتغل آخرون بالفوضى. إن المدرس الناجح هو الذي يحبب المادة إلى التلاميذ ويشدّهم إليها، لأن غياب الدافعية للتعلم هو الذي يشعرهم بعدم أهمية الدرس لأنهم ربما لا يفهمونه، وبالتالي يلجؤون إلى إثارة الفوضى.
3. اكتظاظ الفصل:
كثرة عدد التلاميذ في الفصل - حيث يزيد العدد على خمسين في الفصل الواحد بعض الأحيان - الأمر الذي يجعل السيطرة على الفصل صعبة للغاية خصوصا عندما تكون وحيدا في الفصل، وهناك تفاوت حاد في مستويات التلاميذ في الفصل.
4. مشكلات أسرية:
يلاحظ أن بعض التلاميذ يعانون بعض الضغوط والمشاكل النفسية داخل أسرهم فيعبرون عن ذلك بالفوضى والشغب داخل الفصل كنوع من التنفيس.
5. ضعف الإدارة:
بعض الإدارات في المدارس لا تقوم بالواجب بتطبيق التشريع المدرسي - بعد إعطاء الوقت اللازم للمعالجة - لأسباب خاصة، وقد غاب عنهم أن الاحتفاظ بالعناصر السيئة يشكل عبئا ثقيلا على المدرسة وفريقها.
إن العوامل السابقة تركت مضاعفات خطيرة ليس على المدرسة فحسب بل على المجتمع بشكل عام، لأن من أمن العقوبة فعل ما يشاء. فما هي أهم هذه المضاعفات؟
آثار ومضاعفات الفوضى والشغب على المدرسة والمجتمع:
إن استمرار هذه الظاهرة دون معالجة جادة يخلّف آثارًا سلبية عميقة، لا تقتصر على الحصة الدراسية، بل تمتد إلى المنظومة التعليمية والمجتمع ككل. إن كثرة الفوضى داخل الفصول تقطع شريط التفكير عند المدرس وتشوش على التلاميذ المهتمين، وتجعل المدرس ينشغل بالضبط بدل الشرح، مما يضيع الوقت ويؤثر على مخرجات العملية التربوية، ويمكن تلخيص مضاعفات سوء إدارة الفصل في مظاهر مختلفة من أهمها:
1. تعطيل سير الدرس:
إن ضياع الوقت سيؤثر حتما على جودة التعليم مما سينعكس سلبا على المخرجات نتيجة عدم التركيز وضعف استيعاب المحتوى الدراسي.
2. انخفاض دافعية التلاميذ للتعلم:
الطفل بطبعه يشعر بالأمان والاستفادة مع المدرس الذي يضبط الفصل أكثر ولو كان غير متمكن من المادة، بينما لا يشعر بالأمان ولا يحس بالاستفادة مع المدرس المتمكن من مادته لكن ينقصه ضبط الفصل، لأن المحيط المضطرب وغير المنظم يجعل التلاميذ أقل حماساً للتحصيل العلمي.
3. انتشار السلوكيات السلبية:
يقال إن الصاحب ساحب، وبالتالي إذا لم تعالج هذه الظاهرة بجدية فقد يصل عدواها إلى التلاميذ الذين كانوا يصنفون من المجتهدين فيعم التحدث دون إذن، ويسود الشغب ويصبح عدم احترام القوانين المدرسية من البطولات.
4. ضعف العلاقة بين المدرس والتلاميذ:
إذا فقدت الثقة بين المدرس والتلاميذ انتهت العملية التعليمية، لأن التوتر المستمر سيقود حتما إلى فقدان الاحترام المتبادل، وبالتالي لن تكون هناك استفادة. فمثلا عندما يعجز المدرس عن ضبط الفصل، تتأثر صورته أمام التلاميذ، وقد يفقد احترامهم، وهو ما يفاقم المشكلة ويجعل السيطرة أكثر صعوبة في المستقبل.
5. الضغط النفسي على المدرسين:
يعيش كثير من المدرسين حالة من التوتر والإرهاق النفسي بسبب الفوضى المستمرة، وقد يؤدي ذلك إلى فقدان الحافز المهني أو حتى التفكير في ترك المهنة. وأعرف شخصيا نماذج من هؤلاء الذين تركوا العمل بسبب الظروف السابقة.
6. ضعف الانضباط العام في المؤسسة:
إذا انتشرت الفوضى داخل الفصول، فإنها تنعكس على سلوك التلاميذ خارجها، فتزداد المشكلات في الساحات والممرات، وتضعف سلطة الإدارة.
7. انعكاسات سلبية على المجتمع:
التلميذ الذي يتربى في بيئة مدرسية فوضوية قد ينقل هذه السلوكيات إلى المجتمع، مما يساهم في انتشار اللامبالاة وعدم احترام القوانين. وهنا تحولت مهمة المدرسة من التهذيب والضبط إلى نشر العنف والتحرك دون ضابط ولا موجه.
إن التساهل مع الفوضى داخل الوسط المدرسي ليس تضييعا للوقت فحسب بل يشكل تهديدا قويا للمجتمع بوجه عام وللمنظومة التربوية في البلد بوجه خاص. يقال إذا أردت أن تهدم أمة فابدأ بهدم التعليم وتحطيم هيبة المدرس.
إن معالجة هذه الظاهرة أصبحت ضرورة اجتماعية، فكيف نعالج هذه الظاهرة؟ وما هي الأساليب المثلى لضبط الفصل؟