تخطى الى المحتوى

النخبة الصامتة… الفاعل الذي لا يُحاور

محمد الأمين لحويج

جدول المحتويات

بين إدارة الأزمات وحلّها: كيف يبقى النظام؟

الحقيقة التي لا تُقال كثيراً هي أن الأنظمة لا تسقط فقط بسبب الأزمات، بل بسبب سوء اختيار الطرف المحاور في لحظات التأزم. ففي أدبيات صُنّاع القرار، ثمة فرق جوهري بين "إدارة المأزق" و"حله جذرياً"؛ إذ غالباً ما يُنصح بالمناورة والالتفاف لتجاوز اللحظة الراهنة، خصوصاً حين يكون الحل مكلفاً أو معقداً. لكن هذا المنطق، ورغم وجاهته الظرفية، لا يستقيم أبداً كسياسة دولة مستدامة.

اليوم، يتكرر الخلل ذاته في ثوب جديد؛ إذ يغيب عن الحوار القائم الطرف الثالث والأهم، وهو ما أسميه "النخبة الصامتة".

فحين يُختزل النقاش بين قطبي الموالاة والمعارضة، يفقد الحوار معناه الحقيقي، لأنه يُقصي الفئة التي تمنحه التوازن والعمق المطلوبين.

من هي النخبة الصامتة؟

إنها كتلة ليست بالمعارضة التقليدية ولا بالموالاة المسلّمة، بل هي تلك الفئة التي تبحث عن حوار اقتصادي واجتماعي قائم على الإنجاز الملموس، بعيداً عن صخب الانتخابات وضجيج الشعارات. هي نخبة تقيس الأمور بالنتائج، تراقب وتفهم بعمق، لكنها تظل مغيبة عن آليات التخاطب الرسمي.

وفي ظل هذا الغياب، ينحرف الخلاف السياسي ليتمحور حول صراع "المأموريات"، بدلاً من القضايا الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية. وهنا يبرز السؤال الوجودي: كيف يمكن لنظام أن يضمن بقاءه لأطول مدة ممكنة؟

وقبل الإجابة، يحسن بنا استحضار الواقع السياسي المحلي كما صوّره شاعر الإمارة ولد مبارك، في "طلْعته" الشهيرة التي تختزل ببراعة التعامل مع الأزمات بأسلوب تراكمي:
لِمَارَه لَحْمدْ كِيفنْ جَاتْ...... ؤصَرَّطْهَا رِيگْ اثْلتْ كصْرَاتْ بامخل لطفال ابْگرْ سِيگْ
وانخلعُ منها لِمَارَاتْ
ما فيهم وَحْدَة گَالتْ گِيگْ
ؤذَاكْ الريگْ الْصَرَّطْهَا فَاتْ جَعلتْ بيه العرْبَانْ ادْكِيگْ
اوَسَّاتُ عَادَتْهَا وَابَاتْ
تصْرطْ شِ مَاهُ ذَاكْ الرِّيگْ....

"ريگ الكصرات" وبقاء النظام
إذا ما اختُزلت الخيارات، فإن بقاء النظام لا يخرج عن ثلاثة مسارات أساسية (اعْرفتْ عَنْ هذا رَاْص اخْبَارْ):

  1. ريگ الإصلاح العميق (لحْگتْ فَيْدُو كبر التّخْمَامْ):
    وهو الخيار الأصعب لكنه الأكثر استدامة، إذ يقوم على:
  • محاربة حقيقية وجادة للفساد.
  • تجديد النخب الاقتصادية والإدارية وفتح الباب للكفاءات.
  • إرساء حوار شامل، يضع "النخبة الصامتة" في صلب اهتماماته.
  • تهدئة المشهد السياسي بتسويات واقعية (إشراك "أهل أتْبَيْرِيمْ").
    هذا المسار يعيد بناء جسور الثقة، ويحوّل المواطن من مجرد متفرج إلى شريك فاعل.
  1. ريگ إعادة ترتيب السلطة:
    وهو خيار تكتيكي بامتياز، يرتكز على إعادة توزيع الأدوار داخل بنية النظام ذاته، والحفاظ على النهج العام مع تغيير الوجوه، من خلال اعتماد "استراتيجية التبادل القيادي"؛ وذلك بترشيح شخصية محل ثقة لمنصب الرئيس، مع تحوّل الرئيس الحالي إلى منصب "نائب الرئيس" بعد الانتخابات، تأميناً لاستمرارية النظام والحفاظ على توازناته العميقة.
  2. ريگ إدارة الضغط الخارجي والمناورة:
    (احْرَى گَالتْ عَنهَا تحْمَارْ / ذِيكْ اتْعُودْ أحْمرْ من لعْگِيگْ)
    ويعتمد على استثمار التوترات الإقليمية أو الأزمات الحادة (مثل الحرب في مالي) لكسب دعم خارجي، واستخدام أدوات سياسية ظرفية لتصدير الأزمة. وهو "ريگ كصرة" محفوف بالمخاطر، لأن الهروب إلى الأمام لا يعني الحل أبداً.

مفتاح البقاء
لا يمكن لأي نظام أن يستمر طويلاً دون إدماج "النخبة الصامتة" في معادلة القرار. فهذه النخبة لا تستهويها الشعارات، بل تنشد محاربة الفساد إجرائياً، وترشيد الموارد، وبناء مؤسسات فعالة تتجاوز ردود الأفعال اللحظية إلى الفعل الاستراتيجي.

هذه الكتلة مستعدة للمساهمة الفاعلة إذا ما وُجدت لها أدوات حوار حقيقية، مثل المنصات الوطنية للأفكار، والآليات المستقلة لإدارة الأزمات، وربط الكفاءات الوطنية (في الداخل والمهجر) بمسار صنع القرار.

إن إدارة الأزمات قد تنقذ "اللحظة"، لكنها لا تبني "دولة". والمشكلة اليوم ليست في صمت النخبة، بل في غياب "الآذان" القادرة على الإنصات لها. فبقاء الأنظمة لا يتحقق بالمناورة وحدها، بل بقدرتها على تحويل الصمت إلى شراكة، والانتظار إلى إنجاز. ومن يفهم لغة هذه النخبة ويفتح لها المجال، هو وحده من يملك مفتاح البقاء.

الأحدث