تخطى الى المحتوى

الحدود الموروثة والواقع المشترك: الحالة الفريدة بين بلادنا ومالي

محمد فال ولد بلاّل

جدول المحتويات

في المخيلة الجماعية، يُنظر إلى الحدود على أنها خط واضح مرسوم على الخريطة، يفصل بين دولتين ذواتي سيادة. فهي تحدد الأقاليم، وتؤسس للاختصاصات القضائية، وتميّز - من حيث المبدأ - بين الشعوب. غير أن هذه الخطوط تصطدم، في بعض مناطق العالم، خصوصًا في منطقتنا، بواقع أكثر تعقيدًا. وتمثل الحالة بين بلادنا ومالي مثالًا بارزًا على ذلك.


في أعقاب الاستقلال عام 1960، ورثت الدولتان حدودًا رُسمت دون مراعاة الديناميات البشرية، مما أدى إلى تفريق مجتمعات عريقة، وفصل عائلات، وتقسيم فضاءات عيش كانت موحدة تاريخيًا. وقد بدا هذا الوضع ثقيلا على البلدين؛ إذ عاش بعض الموريتانيين على الأراضي المالية، فيما استقر بعض الماليين في موريتانيا، أحيانًا لعدة أجيال.


وأمام هذا الواقع، اختار الرئيسان المختار ولد داداه وموديبو كيتا نهجًا براغماتيًا عمليًا. ففي مدينة خايْ عام 1963، أبرمت الدولتان اتفاقية ثنائية مبتكرة تسمح لكل منهما بإدارة شؤون رعاياها، حتى وإن كانوا يقيمون على أراضي الدولة الأخرى. ويُعد هذا الترتيب شكلًا مرنًا وغير مألوف من التفاهم القانوني، أسهم في الحد من التهجير القسري، والحفاظ على التوازن الاجتماعي، والاعتراف بالجذور التاريخية للمجتمعات.


استند هذا الاتفاق إلى فكرة بسيطة لكنها جوهرية: وهي أن المجتمعات سبقت الدول. ففي هذه المنطقة، لطالما كانت الحركة عنصرًا أساسيًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ تنقل الرعاة والتجار ومجموعات الرحل وقطعان المواشي بحرية داخل فضاء أصبح اليوم مقسّما بفعل الحدود السياسية. ولا شك أن محاولة تجميد هذه الديناميات كانت ستؤدي إلى مزيد من التوتر بدلًا من إيجاد الحلول.


ومن هذا المنظور، لم يكن الرئيس المختار ولد داداه ينظر إلى الحدود كخطوط فاصلة، بل كروابط حية تروي تاريخًا مشتركًا. وقد سار الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع على النهج نفسه، مؤكدًا في يناير 2005، خلال زيارة رسمية إلى جمهورية مالي، ضرورة احترام اتفاق 1963، مع مواصلة جهود ترسيم وتجسيد الحدود بين البلدين.


صحيح أن الاتفاق المذكور لا يخلو من صعوبات وغموض، ويثير تساؤلات قانونية، لا سيما فيما يتعلق بالمسؤولية السيادية والإدارية. ففي أوقات الاستقرار، يعزز التعايش والأمن، لكنه يصبح هشًا في حال اندلاع توترات واضطرابات على الحدود، كما هو الحال في سياق الحرب الجارية في مالي الشقيقة.


في مثل هذه الظروف، من الضروري أن تنتصر الرؤية المتبصرة على نزعات التصعيد، خاصة مع بروز أصوات في مالي تدعو إلى مراجعة أو إلغاء اتفاقية "خايْ". من المهم أن تدرك هذه الأصوات عواقب التشدد، ليس فقط على السكان المعنيين مباشرة، بل أيضًا على استقرار كامل المنطقة الحدودية. إن إضعاف الآلية الحالية، التي ساهمت - على علاتها - في الحفاظ على التوازن الاجتماعي والإنساني لعقود، قد يفتح الباب أمام توترات غير محسوبة العواقب.


إن الظرف الراهن يدعو إلى التبصر والتعقل والحوار، من أجل بناء سلام دائم قائم على التعاون وفهم الحقائق المشتركة مع جميع الجيران، وخاصة جمهورية مالي الشقيقة. وفي هذا السياق، يجدر التنويه بحكمة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وبرؤيته المتبصرة ونهجه المتزن في إدارة علاقاتنا مع مالي.
17 ابريل 2026

الأحدث