جدول المحتويات
إنّ الصراعات المهنية، حين تخرج من إطار القانون إلى خطاب التوصيفات الشخصية والتأويلات الانتقائية، تفقد طابعها الأخلاقي قبل أن تفقد وجاهتها القانونية. وعلى كل حال، فإنّ كلَّ إناءٍ بما فيه ينضح، والجميع يعرف النقيب بونا ولد الحسن بصراحته ووضوحه، وبثباته على احترام القانون حين يشتدّ الخلاف وتضيق مساحات الاتفاق.
وليس غريباً أن تُشنّ حملات على النقيب، فقد كانت هذه الحملات تتكرر كلما اتخذ قراراً يحمي القانون أو يصون استقلال الهيئة، ومع ذلك ظلّ يخرج منها دائماً مرفوع الرأس، تاركاً القاع لأهله.
ومن المؤكد – وأنا أكتب هذه السطور بصفتي عضوا في مجلس الهيئة – أن النقيب بونا ولد الحسن معروف بين زملائه قبل غيرهم بترفعه عن المهاترات، وبأنه لا ينجرّ إلى الحملات الشخصية مهما كانت حدتها أو طبيعتها. ولذلك فمن الواضح أنه لن يكون طرفاً في الرد على الإساءة، ولن يدخل في سجال يُراد له أن يُنزِل الخطاب المهني إلى مستويات لا تليق بتاريخ الهيئة ولا برجالها.
وعليه فإن هذا الرد، إنما يُكتب دفاعاً عن احترام القانون وهيبة المؤسسة، وحرصاً على ألا يُترك المجال لتأويلات يراد لها أن تتحول إلى حقائق، وهي ليست كذلك.
أما استعمال عبارة "أجانب" الواردة في البيان، فهو توصيف غير مهني ولا أخلاقي، لأن المعنيين بها محامون مغاربيون تجمعهم بنا وحدة الفضاء القانوني والثقافي وغير ذلك، ولم يكن الجدل المثار حولهم جدلاً قانونياً خالصاً بقدر ما أُريد له أن يتحول إلى مادة للتشويش والتشهير لا أكثر.
وقد درسنا ودرّسنا في بلدان عربية عديدة، ولم نشعر يوماً أننا غرباء فيها، لأن الفضاء المهني العربي فضاء تكامل لا فضاء إقصاء.
وفيما يتعلق بما أثير حول مسألة التعارض، فإن من المؤسف أن يُرفع شعار احترام القانون في العلن بينما يُخالف في الواقع:
أولاً: الأستاذ حننا يوجد ضمن لائحة التعارض، ومع ذلك يباشر عمله جهاراً نهاراً في ميناء نواكشوط، وأدعو كل من يشكك في ذلك إلى مرافقتي في أوقات الدوام إلى مكتبه هناك. فأي قانون يُراد تطبيقه هنا؟ وأي انتقائية هذه التي تجعل النص يُستدعى حيناً ويُغيب حيناً آخر؟
ثانياً: تعليق المحكمة العليا للقرار المتعلق بوضعية التعارض لا يعني إلغاء الواقع القانوني، وإنما هو إجراء يدخل ضمن صلاحياتها في الإشراف القضائي على القرارات محل النزاع. وكان الأولى بشخصية قيادية يُفترض فيها المثال والانضباط المؤسسي أن تتحفظ في الخطاب وأن لا تُغالط المحكمة ولا الزملاء، لأن من يطالب بتطبيق القانون يجب أن يكون أول الملتزمين به.
والحقيقة أن الدافع في هذه المسألة أصبح معروفاً، وقد بدأ الأمر حين طُلب احترام القانون في وضعية التعارض، فاستجاب النقيب لذلك وبدأ بتطبيقه، فارتفعت الأصوات مطالبة بالتراجع، ولكن بعد فوات الأوان.
ومن جهة أخرى، فإن المجلس السابق كان قد قبل – بنفسه – توجيه رسالة لأداء اليمين لمن سبق أن رفض اعتمادهم!، وهو ما يجعل من غير المقبول تصوير القرارات الحالية وكأنها خروج على المسار المؤسسي، في حين أنها تأتي في سياق استمرارية العمل المؤسسي لا في سياق مخالفته.
كما أن كثيراً من أعضاء المجلس يشهدون أننا فوضنا النقيب بونا ولد الحسن في معالجة ملف الزملاء المغاربة، غير أنه – وكعادته – كان يصرّ دائماً على أن يتحمل وحده مسؤولية أي خلل محتمل، حتى حين لا يكون هناك خلل أصلاً، بينما يحرص على أن تُنسب النجاحات إلى المجلس مجتمعاً.
وتقتضي الأمانة القول إن النقيب تحمّل بالفعل مسؤولية بعض الجوانب وحده، بل وتحمل أحياناً تبعات أخطاء لم تكن صادرة عنه، وذلك حفاظاً على تماسك المؤسسة وصوناً لوحدتها.
إن ما يثير الاستغراب حقاً هو محاولة دفع الهيئة إلى مواجهة مع المحكمة العليا، في حين أن الواجب المؤسسي يفرض احترام قراراتها وعدم تعطيلها، كما لا يجوز في المقابل توظيفها انتقائياً لتبرير مواقف ظرفية. فالقانون لا يُجزّأ، واحترامه لا يكون بحسب الأشخاص ولا بحسب الظروف.
كما أنه من غير المقبول أن ترتفع بعض الأصوات حين يتعلق الأمر بأشخاص بعينهم، وأن تخفت حين يتعلق الأمر بزملاء لا حماية لهم إلا النصوص، كما هو الحال بالنسبة للزميلة نفيسة بنت الشيخ محمد الحسين، التي لا سند لها إلا القانون، ولا يجوز أن تُترك وحدها في مواجهة التأويلات الانتقائية.
إن احترام القانون لا يكون بالشعارات، وإنما بالممارسة المتسقة، ولا يكون انتقائياً بحسب الأشخاص والظروف.
وسيظل النقيب – كما كان دائماً – منحازاً إلى القانون، وإلى وحدة الهيئة، وإلى كرامة ومهنية المحامي وذلك على غرار كل محام مهني.
وعلى من يريد تشويه النقيب أن يقاسمه قيمه، وقتها سيعرف ماذا يقول وماذا يفعل.