تخطى الى المحتوى

حين تتكلم الصور: الوحدة الوطنية بين الشعار والممارسة

أنيسا با - برلمانية سابقة

جدول المحتويات

كلما ظهرت صورة رسمية تخدش الذوق العام في الممارسة السياسية، وتجرح وجدان الوحدة الوطنية، وتثير القلق على استقرار البلد ومستقبله، تفرّقت ردود الأفعال. فمنا من يصمت من شدة الألم. ومنا من يتكلم تحت وطأة التأثر فتخونه العبارة أحيانا أو يجانبه حسن الطرح. ثم يجد فريق ثالث في حدّة العبارة ذريعة للانصراف عن المضمون؛ فينشغل بطريقة الكلام عن أسباب الألم، وبالمتكلم عن الخطأ الذي تُكلم عنه.

 

لا أقلّل من أثر الكلمات، ولا مما قد تتركه بعض الأساليب من جراح. وأدرك أهمية اختيار العبارة التي تجمع ولا تفرّق، وتُصلح ولا تُفسد. لكن الحكم على الكلام شيء، والحكم على الواقع شيء آخر. ولا ينبغي أن يحجب الانشغالُ بحدة التعبير ألمَ الواقع، ولا أن يصرف الأنظار عن صور جارحة للوحدة الوطنية. فتلك ممارسات تؤلم كثيرين، وتغذّي لديهم الشعور بأنهم أقل حضورا في وطنهم ومؤسساته.

 

ينبغي أن تكون السلطة والحكومة، بمؤسساتها ورموزها وصورها الرسمية، مرآة للدولة الموريتانية: معبّرة عن تنوعها، ومجسّدة لوحدتها. ولا يصح أن تتحول، بقصد أو بغير قصد، إلى مصدر لصور نمطية، أو لممارسات تغذّي الشعور بالإقصاء وتعمّق فجوات الثقة بين أبناء الوطن الواحد.

 

وما شهدناه خلال السنوات السبع الأخيرة من هذه المظاهر ليس بقيل، فقد تكررت صور يغلب عليها حضور مكوّن واحد، أو يُختزل فيها التنوع الوطني في تمثيل محدود. ومن حقنا عندئذ أن نسأل عن معايير الاختيار والتمثيل، وعن مدى انعكاس التعدد الموريتاني في مؤسسات الدولة ومناسباتها الرسمية. وهذا مجرد سؤال وليس اتهاما. فطرحه لا يحتاج إلى الجزم بسوء نية أحد؛ ويكفي أن تتكرر الصورة حتى يصير بيان معاييرها واجبا على من يملك القرار.

 

ولنأخذ مثالا وزارة الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان. تجمع هذه الوزارة مجالات حيوية، تتصل مباشرة بالهوية الوطنية، كالثقافة، والفنون، والإعلام والاتصال، والعلاقة بين الدولة والمجتمع. فكيف يكون التمثيل فيها أحاديا، وكيف يُختزل التنوع الثقافي واللغوي الذي تزخر به بلادنا في صورة واحدة؟

 

قلت ذات مرة لوزير العدل السابق، تحت قبة البرلمان، إن أكثر ما يؤلم في الوفود الوزارية والتمثيلات الرسمية التي تحضر إلى البرلمان أن صورة بعضها تكاد تعجز عن التعبير عن هوية هذا الوطن وتنوعه. وهو تنوع ينبغي أن يكون مصدر قوة واعتزاز، لا موضوعًا للتنافس أو الإقصاء.

 

ويزداد الإشكال حساسية حين يتعلق الأمر بوزارات سيادية ومؤسسات محورية كالداخلية والشؤون الإسلامية والعدل والثقافة. فهذه المؤسسات، بطبيعتها ومسؤولياتها، يُفترض أن تكون عنوانًا جامعًا للمواطنين جميعًا، تتجسد فيه المساواة والانتماء المشترك. ومن هنا تفرض نفسها أسئلة لا يجوز الالتفاف عليها:

 

من يقدّم الصورة الكاملة لوزارة الداخلية، بما تمثله من سيادة الدولة وأمن المواطنين؟ ومن يمثّل الشؤون الإسلامية في وطن يجمع أبناؤه الإسلام، ويُفترض أن تكون قيمه في العدل والرحمة والأخوة عامل وحدة لا تمايز؟ وعن أي ثقافة نتحدث إذا عجزت ثقافتنا الرسمية عن استيعاب تنوع هو جزء أصيل من هويتنا؟ وأي عدل ننشد إذا لم يشعر كل مواطن بأن مؤسسات الدولة تمثله، وأن حقوقه ومكانته مصونة على قدم المساواة مع غيره؟

 

إنها أسئلة تتجاوز الأشخاص والأسماء. فهي تتعلق بطبيعة الدولة التي نريد، وبقدرتنا على تحويل الوحدة الوطنية من شعار إلى حقيقة يعيشها المواطن في الإدارة والمدرسة والجامعة والإعلام وسائر فضاءات الحياة العامة.

 

الحديث عن هذا الاختلال ليس عيبا، ولا إساءة إلى أي مكوّن، ولا انتقاصا من مكانة أي لغة من لغاتنا الوطنية. إنه دفاع عن حق الجميع في الحضور والاعتراف والتمثيل العادل. فالمشكلة ليست في لغة بعينها ولا في مكوّن بعينه، وإنما في أن يتحول أيٌّ منهما إلى معيار للإقصاء، أو وسيلة لإشعار الآخرين بأنهم خارج المشهد الوطني.

 

لم تكن الشعارات يوما قادرة على حجب الواقع أو إخفاء تناقضاته. فبين ما نرفعه من شعارات وما نشهده من ممارسات مسافة لا يردمها الكلام وحده. ولا ينبغي أن يظل "ميثاق جوول"، ومن قبله شعار شارع الوحدة الوطنية، عناوين تُرفع في المناسبات. يجب أن يتحولا إلى سلوك مؤسسي وممارسة سياسية: عدالةٍ في التمثيل، وإنصافٍ في الفرص، واحترامٍ فعلي لجميع مكونات المجتمع الموريتاني.

 

لا يكتمل التشخيص دون السؤال عن المسؤول. وأمامنا أربعة تفسيرات لا يُغني بعضها عن بعض:

-         إرث المستعمر: فقد رسّخ سيطرته بتفكيك المجتمعات وإثارة التناقضات بينها وفق سياسة «فرّق تسُد»، وما زالت بعض آثاره حاضرة في بنية التفكير وفي مناهج إدارة الاختلاف.

-         فساد بعض الأنظمة: فقد تجد في إذكاء النعرات وإشغال المواطنين بصراعات الهوية وسيلة للتغطية على إخفاقاتها.

-         جهل بعض المسؤولين: فهم يظنون أنهم يحسنون صنعا، ولا يدركون ما تنتجه قراراتهم من مشاعر الإقصاء والاحتقان.

-         نزعة عنصرية لدى بعض المواطنين: وهي تجعلهم يتوهّمون أنهم أحق بالأرض والوطن من شركائهم في الدين والتاريخ والمصير.

 

ومهما تفاوت نصيب كل سبب، فالنتيجة واحدة: إضعاف الثقة، وتآكل الشعور بالانتماء المشترك، وفتح أبواب لا تُحمد عواقبها على استقرار البلد ووحدته. وليس أخطر على الأوطان من أن تتحول الاختلافات الطبيعية بين أبنائها إلى أدوات للصراع، أو أن يصبح التنافس على السلطة والتمثيل مدخلا لتقويض الثقة بينهم. وأخطر من ذلك كله أن نعيد بأيدينا إنتاج الأساليب التي استعملها المستعمر لإضعافنا.

 

لنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهجه في الدعوة والتعليم والسياسة، مرجع أخلاقي واضح. فهو منهج يقوم على الحكمة والعدل، وتأليف القلوب، وصيانة الكرامة، ومعالجة أسباب الخلاف بدل تعميقها.

 

إن ما يثار من اختلاف لا يتعلق بالاعتقاد ولا بالمسلمات، بل بما تراكم من شعور بالظلم أو الإقصاء أو غياب الإنصاف. وعندئذ لا يكفي الحديث عن المشتركات، بل يجب أن تُبنى الثقة من جديد بالممارسة العادلة، والاعتراف المتبادل، واحترام الحقوق.

 

لقد خلقنا الله شعوبا وقبائل لنتعارف لا لنتناكر، وجعل اختلاف ألسنتنا وألواننا آية من آياته، ومصدر غنى وتكامل، لا ذريعة للإقصاء أو الاستعلاء. وموريتانيا تتسع لجميع أبنائها. ولا تُقاس قوة الدولة بقدرة مكوّن على الهيمنة على غيره، بل بقدرتها على احتضان الجميع، وضمان حضورهم العادل، وصون كرامتهم، وترسيخ شعورهم بأنهم شركاء متساوون في وطن واحد.

 

لسنا بحاجة إلى شعارات جديدة بقدر حاجتنا إلى الصدق في تطبيق ما رفعناه منها. ولسنا بحاجة إلى مزيد من المواثيق بقدر حاجتنا إلى تحويل ما تعهّدنا به إلى سياسات وممارسات ملموسة.

فالوحدة الوطنية لا تُبنى بإنكار الاختلالات، ولا تُصان بإسكات المتألمين، ولا تتحقق باتهام كل من ينبّه إلى الخلل بأنه يسيء إلى الوطن. إنها تُبنى بالشجاعة في الاعتراف بالمشكلة، والحكمة في معالجتها، والعدل في توزيع الفرص والمسؤوليات، حتى لا يشعر مواطن بأنه غريب في وطنه.

 

قد تختلف الكلمات وتتباين الأساليب، لكن الصور والوقائع أبلغ من الشعارات، والواقع أصدق شاهد على ما نؤمن به وما نمارسه. فإما أن نجعل من تنوعنا أساسا لوحدتنا وقوتنا، وإما أن نتركه جرحا مفتوحًا يستنزف ثقتنا بعضنا ببعض، ويهدد مستقبلنا جميعا.

الأحدث