جدول المحتويات
ابك وفاء وإن لم تبذلي صلة ** فالطيف يقنعنا والذكر يكفينا
ابن زيدون الأندلسي
لشدما كان التاريخ الإسلامي في الأندلس الخالدة يستحوذ علي قلبي وعقلي، وكان ذلك يزداد في كل مرة أقرأ فيها أو أسمع عن ذلك التاريخ العبق بالتراث المجيد، إذ لم تكن خيول طارق بن زياد خيول هدم وتدمير كماهو حال “أباتشي” اليوم وصواريخه، بل كانت خيول دين سمح وحضارة راقية اعترف بقيمتها العدو قبل الصديق وما يزال.
كنت وأنا أتهجي الأحرف الإسبانية منذ سنوات في قسم الترجمة بجامعة انواكشوط أتوقف كثيرا عند الكلمات العربية الدخيلة علي هذه اللغة ، وما أكثرها ، ناهيك عن أسماء المدن الأندلسية الحالية و التي إحتفظ معظمها إلي يومنا هذا بإسمه الأصلي، مع تغيير طفيف شاب أسماء بعضها، لكنه لايمنع أذن المتلقي العربي من تفكيك شفرتها بسهولة و إرجاعها إلي الأصل ، خصوصا لمن عنده أدني إلمام بالثقافة الأندلسية.
في ذلك اليوم الذي كنت أحزم فيه أمتعتي مغادرا أرض شنقيط الحبيبة ميمما وجهي شطر بلاد الأندلس، وغرناطة تحديدا، إختلجت في ذهني مشاعر وأي مشاعر، فلم تكن إجراءات التسجيل في الجامعة، والبحث عن السكن، وما إلي ذلك هو ما يقض مضجعي ، وإنما كيف السبيل إلي رؤية الحمراء بالعين المجردة ، عن قرب ودونما ترجمان؟! أين هي تلك المساجد والآثار الإسلامية الباقية؟ أين القصور والجسور والدور؟ أين الأنهار والآبار والجداول الرقراقة؟ أين المنابر والمحابر والمخابر و الصولجان؟ أين تلك البئة الخلاقة التي جعلت أدباء الأندلس وكتابها وفنانيها وعلمائها وشعرائها وأطبائها ومهندسيها يتركون بصماتهم في التاريخ الإسلامي بل والإنساني بكل جدارة؟!!
في غرناطة تبقي الصورة أبلغ من أي كلام، فحقا كما يقول أحد الكتاب الإسبان ،”إعطه الصدقة يا امرأة ، فلا شيئ في الدنيا أكثر إثارة للشفقة من أن يكون الإنسان أعمي في مدينة غرناطة” ذلك أنه في كل زاوية و في كل ركن تقريبا تحتفظ المدينة بشيئ ما يدل علي أن أناسا أهل حضارة مروا من هنا ، قبل أن تعصف بهم عاديات الزمن ، وتفرقهم أيدي سبأ ، تاركين خلفهم من التراث و الفن ما شغف البشرية ولا يزال عشقا و إعجابا.
عندما تذكر الأندلس تذكر غرناطة آخر معاقل المسلمين بها سقوطا، وعندما تذكر غرناطة يقفز إلي الذهن قصرها المنيف الذي يشكل بحق إحدي الوجهات الأساسية للسياح الأجانب والأسبان علي حد سواء، حيث يأتيه الناس من كل مكان نظرا لما يتمتع به من شهرة وعراقة.
بمجرد أن تصل إلي بوابة القصر وتتقابل مع أوجه المرشدات السياحيات تتذكر بسهولة قصيدة “في مدخل الحمراء” وتتملكك الحيرة بأيهن التقي نزار قباني ياتري؟
لن أتعب نفسي وأجهدها في البحث عن الكلمات اللائقة لوصف ذلك المكان الساحر، وقد أغناني الله عن ذلك بكامرا ديجيتل أفصح مني لسانا، وأقدر علي التوصيف، وهذه بعض الصور التي التقطتها من داخل غرف القصر و من جدرانه حيث “الزخرفات أكاد أسمع نبضها ** والزركشات علي السقوف تنادي”:
طالب موريتاني بجامعة غرناطة
mawaz85@hotmail.com