تخطى الى المحتوى
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - djellouli73@hotmail.com

جدول المحتويات

الجزائر الجديدة هي القديمة لم يتغير منها شيء، وتصريح الرئيس تبون من مستشفى الحروق باللغة الفرنسية يبدو أنه موجه للرأي العام الفرنسي لا الجزائري، لأنني ظننت بأن اللغة الفرنسية قد طويت صفحتها في هذه البلاد كما يطوى الكتاب، ولكن دار لقمان ما زالت على حالها لم تتبدل. ثم إن فاجعة الأيتام الحرقى وهم بعهدة السلطة في دار الطفولة المسعفة بالمحمدية تشبه حافلة الغرقى في وادي الحراش، وكلتا الفاجعتين تضربان بعمق في الضمير الجزائري، الذي أصبح يتحسس بشدة غياب القيادة القادرة والمقتدرة على الإبحار بالبلاد إلى بر الأمان. واقع الصحة في الجزائر لا يختلف عما في دار الطفولة المسعفة من إهمال مجتمعي ووظيفي، ولا أدل على ذلك من الطبابة التي أصبحت تتاجر بأرواح الناس، ولا هم لها إلا المال، والمال فقط، قد تعرّى الأطباء في معظمهم من الشفقة بقومهم وكأنهم ليسوا من هذا المجتمع الذي يدين لله بالإسلام.

 

لا بد أن يطرح سؤال جوهري في كل مناسبة من هذه المناسبات التاريخية: عندما تلتحق هذه الوجوه الحاضرة وحدها دائما في ذكرى يوم المجاهد - وفي كل الذكريات الوطنية الأخرى - إلى الرفيق الأعلى، فمن سيحمل الراية من بعدهم؟ أقول هذا، لأننا لا نلحظ حضورا شعبيا يرافق هذه الفعاليات، ليس في هذه البلدة فحسب، بل في سائر بلدات الوطن. والسبب المعروف للعامة والخاصة هو بعد الهوة بين الحاكم والمحكوم، وفقدان الثقة من الشعب الجزائري في أكثر الموظفين العموميين والقائمين على حراسته وحفظ دينه وذاكرته، نظرا للممارسات السياسية والإدارية الخاطئة التي تراكمت عبر السنوات. ويبقى مفتاح الحل الأوحد لاجتياز هذا الموقف الصعب هو الحق، والتزام الشرع، والسير على درب الشهداء والمجاهدين، من الذين قضوا نحبهم وممن ينتظرون، {وما بدلوا تبديلا}.

 

كما أود الإشارة إلى أن مؤتمر الصومام عام 1956م ونظيره في طرابلس سنة 1962م أبانا عن حاجة القيادة الثورية إلى البعد الوحدوي والثقة المتبادلة التي تلزم في مثل هذه الاستحقاقات العظمى. وعلى كل حال، فأهم مراجعة لبيان أول نوفمبر ولمخرجات المؤتمرين وللثورة بأكملها لا يعيقها "قرب الأحداث وحضور الفاعلين" - كما قال هواري بومدين - بقدر ما تنقصها الإرادة والعلم والدين، التي دفعت برئيس الحكومة المؤقتة بن يوسف بن خدة (رحمه الله) ليعلن توبته علانية عن الاختيار الاشتراكي للدولة الجزائرية في مطلع استقلالها.

 

كل هذا الكلام من الرئيس التونسي السابق المرزوقي وممن يهاجمه من الأطراف الخارجية - جزائرية كانت أو مغربية - لا ينصف الحقيقة التي تمثلها الأمة المغاربية بكل ما تحمل من عقيدة وشعور. قضية الوحدة من الأقطار في المغرب العربي والخلافات البينية خاصة على إقليم الصحراء المغاربية موضوعة في هذا الزمان بين أيدي قيادات هجينة غير مستنبتة من رحم الأخوة بين الأشقاء، وإلا ما معنى أن يكون شمال إفريقية موحدا عبر تاريخه المشرف بصور شتى ثم تتهارش عليه أنظمة غير شرعية تعيش على قسمته الاستعمارية عيشة طحلبية؟ إنه لا مخرجات الثورات العربية بطبعتها التونسية ولا الممارسات الاستبدادية لقادة هذه البلدان بنافعة لوحدة حقيقية. على هذا الركام السياسي الحالي أن يزال كليا، لتتقدم طلائع فتح جديدة لا تحمل إلا راية واحدة، مكتوب عليها: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

 

قضية المخدرات بكل أصنافها التي تجتاح المجتمع الجزائري لا تعالج بالأدوات الأمنية والقضائية فحسب، لأنها معالجة أثبتت فشلها من حيث النتائج، التي هي في ازدياد مطرد بدلالة الكميات المحجوزة باستمرار. ناهيكم عن تورط بارونات تتمتع بحماية دولية ولها نفوذ في السلطة، وإلا ما معنى أن تغرق السوق بالسموم عبر منافذ الاستيراد الرسمية إذا لم يك هنالك من يسهل هذا الجرم الشنيع؟!

 

إن الشباب الجزائري يعيش أزمة روحية حادة منذ الاستقلال، ساهم في إذكائها تنكب النظام الجزائري عن قيم الإسلام بتبني خياري الاشتراكية والعلمنة، وبممارساته الإدارية الخاطئة التي تكرس الظلم ولا تحترم خيارات شعبها المؤمن المجاهد. ولننظر إلى منطق السلطة المشروخ، كيف تشيد بأجهزتها الأمنية في ملاحقة المجرمين وما أكثر من يتفلت من بين أيديها! وتقحم خصومها المعروفين كالمغرب ودولة الإمارات، ولا تذكر العدو الصهيوني، الذي يتربص بالجزائر الدوائر كذلك.

 

الأزمة الروحية متعددة المظاهر، وهي في الفترة الأخيرة إدمان وجنوح وترك للطاعات، والسجون الملأى بهؤلاء أكبر دليل على ذلك. بل إن أزمة التسعينيات هي الأخرى وجه من وجوه هذا الخواء الروحي الذي افتقده الجزائري في السلطة فوجد خلاصه عند آخرين. ضف إلى ذلك التغريب الذي تعرض له المجتمع عقب الاستقلال، واستباحة الأموال العمومية والتهميش والمحسوبية وفرض تقنين وضعي على الحياة العامة، وخلق أعداء وهميين وتزوير الانتخابات والانقلابات... ولا يزال حبل الأزمات على الجرار إلى أن يتداركنا الله برحمته.

 

قرضا الرفيق والتحدي بصيغتيهما المعروفتين ليسا قرضين حسنين، بل هما قرضان ربويان محرمان وقد وصفهما المولى تبارك وتعالى بأنهما إعلان حرب من الله ورسوله. وعليه، فإن على السلطات الحاكمة أن تتقي سخط الله وتحكم شريعة الله في الأموال، وتعطي الناس حقوقهم المالية بلا منة ولا حرمة، وعلى الفلاحين ألا يقدموا على هذه المحرمات وليرضوا بما رزقهم الله حلالا قل أو كثر، لأنهم سيدفعون أثمانا باهظة من جراء أكل الربا لم تكن في الحسبان.

 

مات الطفل أيوب ومات من قبله رجل يدعى العياشي بالسبب نفسه، وحبست موتهما الأنفاس في الجزائر وخارجها على أمل أن تنقذ "القوة الضاربة" هاتين النفسين، ولكنها فشلت، وستفشل محاولات الإنقاذ في ما هو آت من مصائب - لا قدر الله - أصبحت تتكرر بين الحين والآخر، نظرا لغياب الرقابة الحكومية على الآبار الارتوازية غير معروفة العدد، بسبب أن منها المرخص له بالحفر ومنها غير المرخص له به، ولكن أصحابها يحفرون بعدما يدفعون رشى للسلطات المحلية والأمنية لقاء غض الطرف عنها.

 

وليس هذا هو المسكوت عنه فقط من وفظائع تقع على هذه الفوهات القاتلة في الجزائر على الدوام، فالسلطة نفسها مشاركة في مثل هذه الجرائم، لأنها لم تنشئ حتى الآن خلايا طوارئ سريعة التدخل لمثل هذه المآسي المفجعة، وتجهزها بما يلزم من وسائل إنقاذ وحفر حديثة وفاعلة تملكها دول متقدمة، بدلا من الطرق التقليدية البالية. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}.

 

العودة إلى تنفيذ القصاص العادل بقتل النفس بالنفس أو قتلها بأمور أخرى لا يجب أن يكون ردة فعل أو فعلا انتقائيا، هذه قضايا لا تملك فيها السلطة حق التصرف تعطيلا أو تنفيذا بحسب الظروف التي تمر بها البلاد. الحكمة تقول إنه يجب علينا العودة كليا لأصولنا، لا يشذ من العودة أي مجال من مجالات الحياة. ثم إن التعامل مع النيران التي تشتعل كل عام وتؤدي إلى خسائر في الأرواح والممتلكات، لا تتم بالصرامة وجبر الضرر فقط، هنالك مقاربة متكاملة لا بد أن نتبناها في معالجة هذه المعضلة، والتي تتجاوز المعالجة الموضعية إلى معالجة الأسباب الحقيقية التي تجلب لنا العذابات، والتي هي في النهاية قانون رباني يسري على كل مخالف لأوامره ونواهيه كائنا من كان، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} صدق الله العظيم.

الأحدث