تخطى الى المحتوى

مقترح بشأن تعزيز وتأمين مصادر المياه لمدينة أطار والمناطق الزراعية المجاورة

م. أحمد محمد الأمين مامون

جدول المحتويات

في ظل التغيرات المناخية المتسارعة والارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة، أصبحت المياه من أهم التحديات التي تواجه المجتمعات، وخاصة في المناطق الصحراوية. وتزداد أهمية تأمين الموارد المائية في مدينة أطار، بالنظر إلى محدودية مصادرها وارتباط حياة السكان والأنشطة الزراعية، وخاصة الواحات والنخيل، بتوفر المياه.

 

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى رؤية استباقية ومستدامة لا تقتصر على معالجة النقص عند حدوثه، وإنما تقوم على استغلال أفضل للمصادر والمنشآت المائية القائمة، وحماية الموارد الجوفية وتنظيم استغلالها، والبحث في الوقت نفسه عن مصادر جديدة ودائمة واحتياطية تضمن استمرارية تزويد المدينة بالمياه وتحافظ على النشاط الزراعي تحت الواحات.

 

وتعتمد مدينة أطار، منذ سنوات، في جزء مهم من حاجتها إلى مياه الشرب على المياه المستخرجة من الآبار الارتوازية الواقعة في منطقة أزوكي التاريخية، والتي تبعد حوالي سبعة كيلومترات عن مدينة أطار. وقد تم إنشاء هذه الآبار سنة 2000، في عهد الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، وكانت الدراسات والتقديرات الفنية آنذاك تشير إلى أن طاقتها الإنتاجية يمكن أن تغطي حوالي نصف احتياجات المدينة من المياه لمدة تقارب عشر سنوات، باعتبارها العمر الافتراضي المتوقع للمنظومة.

 

غير أن هذه الآبار واصلت العمل لما يقارب عشر سنوات إضافية بعد انتهاء عمرها الافتراضي، وهو ما أدى، مع مرور الوقت، إلى تراجع مردوديتها وظهور نقص واضح في المياه، الأمر الذي انعكس سلبًا على تزويد مدينة أطار بالمياه، كما أثر على النخيل، ولا سيما في منطقة تيارت.

 

وأمام هذه الوضعية، تدخلت الدولة من جديد من خلال حفر آبار إضافية، وصيانة الآبار القديمة، وتعزيز منظومة المياه بمصادر جديدة في منطقة أخرى من وادي تيارت، تُعرف باسم «صبح الخير»، وتبعد عن أزوكي بحوالي سبعة كيلومترات أخرى. وقد ساهم هذا المشروع بشكل إيجابي في سد جزء مهم من النقص الحاصل في مياه الشرب بمدينة أطار.

 

إلا أن استغلال هذه المصادر المائية الجديدة انعكس، في المقابل، على الموارد المائية التقليدية التي تعتمد عليها العيون والواحات في سقي النخيل وزراعة الخضروات بمنطقة تيارت، حيث لوحظ تراجع في المياه المتاحة لهذه الاستخدامات الزراعية.

 

وانطلاقًا من هذه الوضعية، نقترح التعامل مع ملف المياه في مدينة أطار من خلال ثلاثة محاور مترابطة، تجمع بين الاستفادة من الإمكانات الموجودة، وحماية الموارد الحالية، والبحث عن حلول مستدامة للمستقبل، وذلك على النحو التالي:

 

المقترح الأول: استغلال سد سكليل وتشغيله والاستفادة من إمكاناته

توجد في المنطقة منشأة مائية مهمة تتمثل في سد سكليل، الذي تصل المياه فيه، حسب بعض المعطيات المتداولة، إلى حوالي أحد عشر مترًا. وقد تم إنشاء هذا السد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، إلا أن إمكاناته لم تستغل، إلى حد الآن، بالشكل الذي يمكن أن يساهم في دعم النشاط الزراعي أو تعزيز منظومة الأمن المائي في مدينة أطار ومحيطها.

 

وعليه، نأمل أن يحظى سد سكليل بدراسة فنية شاملة تحدد حجم المياه المتوفرة فيه، ومعدل تجددها، والمدة التي يمكن من خلالها الاستفادة منها سنويًا، ونوعية مياهه، ومدى إمكانية استخدامها في الشرب أو الزراعة، مع تحديد التكلفة والجدوى الاقتصادية والبيئية لأي مشروع مستقبلي.

 

وفي حال أثبتت الدراسات صلاحية مياه السد للاستغلال، نقترح دراسة إمكانية الاستفادة منها وفق الأولويات التالية:

  • دراسة إمكانية دعم تزويد مدينة أطار بالمياه، من خلال إنشاء منظومة لنقل ومعالجة مياه السد، إذا أثبتت التحاليل الفنية والصحية والبيئية صلاحيتها لهذا الغرض.
  • إنشاء محطة لمعالجة وتنقية المياه قبل توجيهها إلى شبكة مياه الشرب، وفق المعايير الصحية المعتمدة.
  • استغلال جزء من مياه السد في الزراعة، خاصة لري الواحات والمزارع الواقعة في المناطق القريبة منه.
  • إنشاء شبكة ري حديثة تعتمد على تقنيات الري بالتنقيط، للحد من تبخر المياه وتقليل الهدر وتحسين كفاءة استخدامها.
  • تطوير الزراعة الواحاتيه، وخاصة زراعة النخيل والمحاصيل التي تتلاءم مع الظروف المناخية والبيئية للمنطقة.
  • إنشاء مناطق زراعية منظمة حول السد، وفق دراسة فنية تحدد المساحات المناسبة للاستغلال، مع مراعاة القدرة المائية للسد وتجنب الاستنزاف المفرط للمياه.
  • دعم صغار المزارعين من خلال تخصيص جزء من الأراضي والمياه لمشاريع زراعية محلية، مع توفير التأطير والمواكبة الفنية اللازمة.

 

كما نقترح، في إطار دعم السكان المحليين وتحسين ظروفهم المعيشية، تهيئة أو تعبيد الطريق الرابط بين أزوكي ومنطقة تيارت "صبح الخير" بطول يقارب سبعة كيلومترات، لما لذلك من أهمية في تسهيل حركة السكان، وتنشيط المنطقة، وتحسين نقل المنتجات الزراعية، وتسهيل نقل المياه، بما في ذلك إمكانية نقل صهاريج المياه إلى مدينة أطار عند الحاجة.

 

المقترح الثاني: حماية وتنظيم الآبار الخاصة والعمومية والاهتمام بالموارد الجوفية

نظرًا لاعتماد مدينة أطار بشكل كبير على المياه الجوفية، وكثرة استخدام الآبار الارتوازية الخاصة، فإن حماية هذا المخزون المائي أصبحت ضرورة أساسية لضمان استمرارية تزويد السكان بالمياه والمحافظة على النشاط الزراعي والواحات.

 

ومن هذا المنطلق، نقترح إعطاء تعليمات للسلطات الفنية والإدارية المختصة من أجل إجراء دراسة ومسح شامل لجميع الآبار الارتوازية الخاصة والعمومية في المنطقة، بهدف:

  • حصر جميع الآبار ومعرفة مواقعها وطاقتها الإنتاجية.
  • تحديد مجالات استخدامها، سواء للشرب أو الزراعة أو الاستخدامات الأخرى.
  • تقييم جدوى استمرار تشغيلها من الناحية الفنية والاقتصادية.
  • قياس تأثير الاستغلال المتزايد على منسوب المياه الجوفية.
  • دراسة مدى تأثير الآبار الخاصة على الآبار العمومية التي تزود مدينة أطار بالمياه.
  • تحديد القدرة الحقيقية للمخزون الجوفي ومعدل تجدد المياه.
  • إعطاء الأولوية للمياه المخصصة لتزويد المدينة وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
  • مراعاة احتياجات السكان المحليين والأنشطة الزراعية، وخاصة واحات النخيل.
  • وضع آلية مستمرة لمراقبة مستوى المياه الجوفية ومعدلات الضخ.

 

وفي حال أثبتت الدراسات الفنية وجود تأثير واضح للاستغلال المفرط للآبار الخاصة على المصادر العمومية أو على الموارد المائية التي تعتمد عليها الواحات والسكان، فمن المناسب وضع تنظيم واضح وملزم لاستغلال هذه الآبار، بما يضمن تحقيق التوازن بين مصالح أصحاب الآبار الخاصة، وحق السكان في الحصول على مياه الشرب، والحفاظ على الموارد المائية والواحات.

 

ولا ينبغي أن يقتصر هذا الإجراء على معالجة الوضع الحالي، بل يجب أن يتحول إلى نظام دائم لمراقبة الموارد الجوفية، بحيث يتم معرفة كمية المياه التي يتم ضخها سنويًا ومقارنتها بمعدل تجدد المخزون، تفاديًا للوصول إلى وضعية استنزاف يصعب تداركها مستقبلاً.

 

المقترح الثالث: البحث عن بدائل دائمة ومستمرة لمياه مدينة أطار

إن الاعتماد على مصدر أو خط مائي واحد أو على عدد محدود من الآبار يجعل منظومة تزويد مدينة أطار أكثر عرضة للتأثر بالأعطال أو انخفاض الإنتاجية أو تراجع منسوب المياه الجوفية.

 

ولذلك، فإن الحل المستدام لا ينبغي أن يقتصر على إصلاح المصادر الحالية، وإنما يتطلب البحث عن مصادر مائية إضافية ودائمة ومستقلة يمكن الاعتماد عليها مستقبلًا، سواء كمصادر أساسية أو احتياطية.

 

وفي هذا الإطار، تشير بعض المعطيات المتداولة إلى وجود بحيرة أو مخزون جوفي مهم في منطقة "اجريف"، قد تتوفر فيه كميات مهمة من المياه وربما يكون قابلًا للاستغلال مستقبلًا لتدعيم تزويد مدينة أطار.

 

وعليه، نقترح إدراج منطقة "اجريف" ضمن الدراسات الهيدروجيولوجية المستقبلية، والتحقق علميًا من:

  • حجم المخزون المائي الموجود.
  • نوعية المياه ومدى صلاحيتها للشرب أو الزراعة.
  • عمق المياه الجوفية.
  • معدل تجدد المخزون المائي.
  • القدرة السنوية على استخراج المياه دون استنزاف المصدر.
  • المسافة والتكلفة اللازمة لربط المصدر بمدينة أطار.
  • الجدوى الفنية والاقتصادية لإنشاء خط مائي مستقل.

 

كما يمكن توسيع عمليات البحث والاستكشاف لتشمل مناطق أخرى محتملة، باستخدام الدراسات الجيولوجية والهيدروجيولوجية الحديثة وتقنيات الاستشعار والمسح الجيوفيزيائي، بهدف تحديد مصادر مائية جديدة يمكن الاعتماد عليها مستقبلاً.

 

ويتمثل الهدف النهائي في إنشاء منظومة مائية متعددة المصادر، بحيث لا تعتمد مدينة أطار على مصدر واحد، وإنما تتوفر لها مصادر متكاملة، تشمل المصادر الحالية في أزوكي وتيارت "صبح الخير"، والاستفادة الممكنة من سد سكليل، إلى جانب مصادر جوفية جديدة يتم اكتشافها ودراستها، بما يوفر خطًا مائيًا احتياطيًا يمكن اللجوء إليه في حالات الطوارئ أو عند انخفاض إنتاجية المصادر الحالية.

 

خاتمة

إن ضمان الأمن المائي لمدينة أطار والمناطق الزراعية المحيطة بها يتطلب الانتقال من معالجة النقص عند حدوثه إلى التخطيط المسبق وإدارة الموارد المائية على المدى البعيد.

 

ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين المحاور الثلاثة المقترحة: استغلال سد سكليل وتشغيله وفق دراسة علمية دقيقة، وحماية وتنظيم استغلال الآبار الخاصة والعمومية، والبحث عن مصادر مائية بديلة ودائمة ومستمرّة.

 

وتهدف هذه المقاربة إلى ضمان مياه الشرب للسكان، والحفاظ على الواحات والنخيل والأنشطة الزراعية، وحماية المخزون الجوفي من الاستنزاف، والاستفادة المثلى من المنشآت المائية القائمة، مع توفير مصادر احتياطية قادرة على تأمين المدينة في المستقبل.

 

وبذلك يمكن بناء منظومة مائية أكثر استدامة ومرونة، قادرة على مواجهة آثار التغيرات المناخية والنمو السكاني، وتحقيق التوازن بين حاجات السكان، ومتطلبات التنمية الزراعية، وضرورة الحفاظ على الموارد المائية للأجيال القادمة.

الأحدث