تخطى الى المحتوى

من حماية الطبيعة إلى صناعة السياحة: آفاق السياحة البيئية في موريتـانيـا

سيد المختار كواد - باحث في مجالات العقار والتعمير والبيئة وإطار بوزارة البيئة والتنمية المستدامة - sidi.mouktar@gmail.com

جدول المحتويات

تَمتلِـك موريتـانيـا مقومات طبيعية وثقافية تؤهلها لتكون وجهة مهمة للسياحة البيئية في المنطقة. غير أن تحويل هذا الرصيد إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام يقتضي تجاوز النظرة التقليدية إلى السياحة كنشاط للترفيه والسفر، واعتماد مقاربة متكاملة تجمع بين حماية البيئة، وتنمية الاقتصاد المحلي، وإشراك المجتمعات، وصون التراث الطبيعي والثقافي.

 

وتقوم السياحة البيئية المستدامة على إقامة علاقة متوازنة بين النشاط السياحي والموارد الطبيعية والمجتمع المحلي، بحيث تصبح حماية البيئة جزءاً من القيمة الاقتصادية للسياحة، وليس قيداً عليها.

 

ومن هذا المنطلق، لا تقتصر السياحة البيئية على زيارة المواقع الطبيعية، بل تشمل التعرف على التنوع البيولوجي والثقافي، ودعم الاقتصاد المحلي، ونشر الوعي بأهمية المحافظة على الموارد.

 

وتتميز موريتـانيـا بتنوع بيئي وثقافي لافت، فهي تجمع بين الصحراء والواحات والمناطق الرطبة والسواحل والغابات والمجالات الطبيعية المصنفة. ويتيح هذا التنوع إمكانات واسعة للسياحة الصحراوية والساحلية والثقافية، فضلاً عن السياحة المرتبطة بالمحميات الطبيعية ومشاهدة الحياة البرية والطيور.

 

ويأتي حوض آرغين في مقدمة المواقع التي يمكن أن تقوم عليها السياحة البيئية، لما يزخر به من تنوع بيولوجي ونظم ساحلية ومواقع مهمة للطيور المهاجرة، إلى جانب خصوصية المجتمع المحلي وثقافته وأنماط استغلاله التقليدي للموارد البحرية. كما تمثل الحظيرة الوطنية لجاولينغ مجالاً مهماً للسياحة المرتبطة بالمناطق الرطبة والتنوع البيولوجي.

 

وتضاف إلى ذلك حظيرة آوليكات، فضلاً عن الغابات المصنفة وغيرها من المجالات الطبيعية، التي يمكن إدماجها في منظومة وطنية للسياحة البيئية. ولا تقتصر قيمة هذه المواقع على كونها فضاءات طبيعية، بل يمكن أن تؤدي وظائف متعددة تشمل حماية التنوع البيولوجي، والتعليم البيئي، والبحث العلمي، والرحلات الطبيعية، وتوفير فرص اقتصادية للمجتمعات المحلية..

 

ومن أكثر المجالات الواعدة سياحة مشاهدة الطيور. فوجود الطيور المهاجرة والمقيمة في عدد من المناطق الرطبة والساحلية يمثل مورداً سياحياً مهماً، وقد أصبحت مشاهدة الطيور في دول عديدة نشاطاً يستقطب الزوار والباحثين وهواة التصوير والطبيعة، ويوفر مداخيل للمجتمعات المحلية دون استنزاف الحياة البرية.

 

وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: ففي الوقت الذي ما زالت فيه بعض الممارسات المحلية تتعامل مع الطيور باعتبارها هدفاً للصيد، تنظر مجتمعات أخرى إليها باعتبارها ثروة طبيعية يمكن الاستفادة منها وهي حية، من خلال مشاهدتها وتصويرها ودراستها. ومن ثم، فإن تطوير سياحة مشاهدة الطيور يمكن أن يسهم في تغيير النظرة إلى الحياة البرية، والانتقال من الاستغلال المباشر إلى التثمين المستدام.

 

ويحتاج تحقيق ذلك إلى تخطيط سياحي بيئي يحدد المواقع القابلة للاستغلال، ويراعي قدرتها الاستيعابية، ويحدد الأنشطة الملائمة لكل منطقة، ويضع ضوابط لحماية الموارد. كما يتطلب تنسيقاً بين القطاعات المكلفة بالسياحة والبيئة والثقافة والتنمية المحلية، حتى لا تعمل السياسات في اتجاهات منفصلة.

 

وتظل المجتمعات المحلية عنصراً أساسياً في نجاح هذا النموذج. فهي تمتلك معرفة متراكمة ببيئتها ومواردها، ويمكن لإشراكها في التخطيط والتسيير والاستثمار أن يجعل السياحة مصدراً مباشراً للدخل وفرص العمل. ويمكن أن تشمل الأنشطة الإرشاد السياحي، والنقل، والإيواء، والصناعات التقليدية، وتسويق المنتجات المحلية، وتنظيم الرحلات والأنشطة الثقافية والطبيعية.

 

كما يمكن للسياحة البيئية أن تسهم في صون التراث الثقافي الموريتاني، بما يرتبط بالصحراء من أنماط حياة وترحال وحرف تقليدية وشعر وموسيقى وعادات محلية. ويظل تثمين هذا التراث سياحياً مشروطاً بالحفاظ على أصالته واحترام خصوصية المجتمعات التي تحمله.

 

وتزداد أهمية السياحة البيئية في ظل التحديات المناخية والبيئية التي تواجه موريتانيا، من تصحر وضغط على الموارد المائية وتدهور بعض النظم البيئية وتآكل السواحل. وفي هذا السياق، يمكن للسياحة أن تصبح حافزاً اقتصادياً لحماية الطبيعة، متى ارتبط الاستثمار السياحي بالحفاظ على الموارد التي يقوم عليها.

 

ومن الضروري، لذلك، أن تراعي المنشآت والأنشطة السياحية في المناطق الطبيعية متطلبات الاستدامة، من خلال ترشيد استهلاك المياه والطاقة، وتحسين إدارة النفايات، وتشجيع الطاقة المتجددة، وتقليل الأثر البيئي، خصوصاً في المناطق الهشة.

 

كما يمثل التحول الرقمي فرصة لتعزيز حضور المواقع السياحية والبيئية الموريتانية على المستوى الدولي. ويمكن للمنصات الرقمية والخرائط التفاعلية والمحتوى المرئي أن تساهم في التعريف بالمواقع الطبيعية والثقافية، وإبراز مسارات الرحلات، وتوفير المعلومات للزوار، وربطهم بالخدمات والمجتمعات المحلية.

 

وعليه، فإن التحدي لا يتمثل في غياب المقومات، بل في القدرة على تحويلها إلى منظومة سياحية متكاملة تقوم على الحكامة والتخطيط والاستثمار المسؤول. فنجاح السياحة البيئية لا يقاس بعدد الزوار وحده، وإنما بقدرتها على تحقيق منافع اقتصادية واجتماعية مع المحافظة على الموارد الطبيعية.

 

ومن ثم، تحتاج موريتـانيـا إلى رؤية وطنية للسياحة البيئية تربط حماية المناطق الطبيعية بتشجيع الاستثمار، وتطوير البنية التحتية والتكوين المهني، وإشراك المجتمعات المحلية، مع تعزيز التنسيق بين القطاعات والجهات المعنية.

 

إن الانتقال من حماية الطبيعة إلى صناعة السياحة لا يعني تحويل الطبيعة إلى سلعة، بل اكتشاف قيمتها الاقتصادية والاجتماعية مع ضمان بقائها للأجيال القادمة. فالمحمية الطبيعية يمكن أن تكون في آن واحد فضاءً لحماية التنوع البيولوجي، ومجالاً للبحث والتعليم، ومصدراً للدخل المحلي، ووجهة للسياحة المسؤولة.

 

وبذلك يمكن للسياحة البيئية أن تصبح جسراً بين البيئة والاقتصاد والتنمية المحلية، ورافعة لتنويع الاقتصاد وخلق فرص العمل وتعزيز الوعي البيئي وصون التراث الطبيعي والثقافي. والمطلوب هو بناء نموذج موريتاني يجعل من الطبيعة أساساً للتنمية، ومن حماية البيئة شرطاً لاستدامة النشاط السياحي، ومن المجتمعات المحلية شريكاً حقيقياً في صناعة المستقبل.

 

المصادر والمراجع:

1.    فؤاد بن غضبان، السياحة البيئية المستدامة: بين النظرية والتطبيق، دار صفاء للنشر والتوزيع؛ وقد اعتمد المقال على الإطار النظري للكتاب في مفهوم السياحة البيئية وعلاقتها بحماية البيئة والتنمية المحلية والمجتمع المحلي.

2.    وزارة البيئة والتنمية المستدامة – الجمهورية الإسلامية الموريتـانيـة، الوثائق والمعطيات المتعلقة بالمناطق المحمية والتنوع البيولوجي والغابات المصنفة.

3.    الحظيرة الوطنية لحوض آرغين، والحظيرة الوطنية لجاولينغ وحظيرة آوليكات (المعطيات المتعلقة بالتنوع البيولوجي والمناطق الرطبة والنظم الساحلية والمجتمعات المحلية والحماية والتثمين البيئي).

4.    المكتب الوطني للسياحة، المعطيات المتعلقة بالمواقع السياحية الطبيعية والثقافية في موريتـانيـا.

5.    الاتفاقيات والبرامج الدولية ذات الصلة بحماية التنوع البيولوجي والتنمية المستدامة والسياحة المسؤولة.

الأحدث