تخطى الى المحتوى

النُّسَباءُ الثقافة والسياسة والمجتمع

بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - djellouli73@hotmail.com

جدول المحتويات

الثقافة والسياسة

لا يوجد أحد يطويه النسيان دهرا ثم يظهر فجأة من دون أن تكون هنالك أسباب من وراء ذلك. للثقافة في الجزائر عاملان يستحكمان فيها بشدة، وقلما يتفلت من بين أيديهما شيء إلا شيئا لا يريدان له أن ينفلت. أحدهما السلطة المستبدة، التي ترى في التفكير والكتابة ماردا شريرا قد يعود عليها بالوبال إن هي تركت غطاء القمقم مفتوحا، وقادة جمعية العلماء ومالك بن نبي من ضحايا الجهالة التي يتمتع بها المسؤول الجزائري.

 

أما العامل الثاني فهي الإيديولوجية الشيوعية التي استحوذت على الحياة الثقافية غداة الاستقلال وتحالفت مع النظام السياسي في كل شيء تقريبا، حتى إن الثقافة لم تنج من طعمهما ولونهما وريحهما. فإذا كنت تحمل ما يحمل هؤلاء فستسخر لك إمكانيات الدولة العامة وتقدم للناس ككاتب ومثقف، وهنالك أسماء معروفة في السوق تمثل هذا الصنف، لها سمة تميزها عن غيرها هي معاركها المستمرة مع ثوابت الأمة الجزائرية. وإذا كنت تفكر وتكتب وتنشر وروح الإسلام والعربية تفوحان منك فكن من شئت أن تكون، عدا أن تكون مثقفا أو كاتبا.

 

الفلسفة أم العلوم يكررها حملة الثقافة الفرنسية في بلادنا مرارا، جاعلين منها حجة لاستبقاء هذه المادة في التعليم العام بل تعميمها أيضا على كل السنوات. هي مقولة يونانية قيلت لما كانت العلوم الكونية كالفيزياء والرياضيات غير مستقلة بكينونة خاصة بها، أما وقد استقلت منذ زمن بعيد وأصبح لكل علم منها مجاله التداولي المعروف، فإن الفلسفة لم تعد أما للعلوم، وإيرادها اليوم في سياق الصراع على الثوابت الوطنية يعتبر خدعة من الخدع السياسية التي تتخذها هذه الزمرة المأجورة عادة لتمرير مشاريع مشبوهة. لم تعد الفلسفة تلك التي تبحث في أصل الوجود وفي الذات الخالقة ووظيفة المخلوق، لأنها موضوعات تولت النبوة الإجابة عنها، ولهذا لحقت الفلسفة عندنا بالعرفان ووظفت لشرح الرسالة المحمدية والدفاع عنها.

 

أما ما يدرس من فلسفة في مدارسنا فهو خليط غير مفيد وينتج عقلا مشوشا قد لا يعرف ربه، ولعل هذا هو بيت القصيد من وراء الأسف الذي يبديه هؤلاء على هذه المادة، وربما سخطهم أيضا على بقاء التربية الإسلامية في مراحل التعليم كافة، والتي هي قوام الثقافة للأمة الجزائرية. إن في وزاراتنا كثيرا من الأشخاص أمثال هؤلاء وكثيرا آخرين يشبهون صنصال، وقد كان لهم تأثير سيء للغاية على مخرجات التربية والتعليم والثقافة والصناعة وغيرها من ميادين الحياة، ولا يزال في دواليب الحكم أمثالهم كثر يعملون في الخفاء، ويؤدون مهام أخرى لا تتعلق بوظيفتهم الرسمية لمصلحة جهات أجنبية لا تكن الود للدولة الجزائرية.

 

موضوع الهوية في الجزائر إشكالية مفتعلة استعماريا، عمل عليها الفرنسيون طيلة احتلالهم لهذا البلد قرنا وثلثه، أي على مدى أربعة أجيال كاملة. واستمرت هذه الإشكالية حتى بعد الاستقلال لسببين: أولهما جهل السلطة كشخصية اعتبارية بخطورة الموضوع، فتركته غير محسوم لافتقارها الوعي بأهميته والمعرفة به، وثانيهما تجنّد حلفاء فرنسا الذين مكنتهم خلفها في الإدارة لإتمام المهمة. ولم يشأ شركاؤهم في السلطة من الوطنيين أن يصارعوهم على هذا الأمر وقد توافق الجميع على قرع الكؤوس إيذانا ببدء حفلة سكر بخمرة السلطة.

 

إن مظاهر التخلف، التي ورثتها الجزائر من تلك الحقبة الطويلة من تاريخها الضائع، ميسورة الحل إذا ما حسم الجدل البيزنطي حول الهوية، وهو جدل مثبط لإقلاع حضاري منافس للغرب بضفتيه، ولعل ذلك هو بيت القصيد من زرعه في هذه الأمة ابتداء. ولولا الخلاف مع فرنسا حول إقليم الصحراء الغربية، لما تجرأت وزارة التربية على تأخير الفرنسية سنة واحدة من التعليم الابتدائي؛ ما يعني أن علاج هذه العاهة الثقافية في مجتمعنا جذريا لا يزال بعيد المنال.

الثقافة والمجتمع

لو كانت شخصية مؤثرة في التاريخ الإنساني كعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) تعيش بيننا لزاد ريما على مقولته المشهورة: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، قوله: "أو نشأ في الإسلام من يرغب في اختبار الجاهلية". مؤسسة الزواج خلقت مع الإنسان وليست مستحدثة، وهي عقد تعبدي أكثر منه إدارة للحقوق والواجبات كما يعبر عن ذلك القانونيون، بل إنه ميثاق غليظ يبنى على المودة والرحمة ولديه ميزة فريدة هي الاستمرارية إلى الأبد حتى بعد الموت، ويعتبر النكاح في وعي ملياري نسمة نصف الدين، ونصفه الآخر تقوى في شتى المجالات.

 

و"الشراكة" بين رجل وامرأة مفهوم استجلب من المجتمعات الغربية، التي لم تعد تعنى كثيرا بمؤسسة الزواج كما كان شأنها في التاريخ أو كما هو شأننا دائما؛ ولذلك غدا الارتباط عندهم اليوم موسما للتزاوج وتحصيل المتعة، وقد عرى في صور كثيرة منه عن الالتزام بالحقوق والواجبات أو رغبة في الإنجاب، كما في المساكنة وميثاق التضامن المدني الفرنسي وغيرهما. فأي قيمة مضافة لمجتمعات استقرت اختياراتها على أفضلها في التحول نحو اختيارات أخرى لا تخلو من فوضى وفساد عظيمين باسم "الحرية"؟!

 

مجرد التفكير في الانفصال، لأن ظروف أحد الطرفين لا تسمح بحياة "أحلام" بسبب الحرب على القطاع غزة، يعتبر توليا وخذلانا. الزواج ليس قفصا ذهبيا كما يوصف، حتى صدق هذه الترهة الشبان والشابات وهم مقبلون على الارتباط. إنه بإمكان أهلنا في غزة أن يبنوا بيوتا سعيدة بما قل وزنه ورخص ثمنه ونقص عدده، ولا تبالين الزوجة بما عدا ذلك ولا الزوج، فالزهد في الحياة مع تحصيل مثوبة الرباط بالدنيا وما فيها.

 

الفكر إناء ينضح بما فيه، والعربي منه كالمحتطب ليلا، فقد جمع في جرابه من اليمين واليسار والوسط، ومن الليبرالية والاشتراكية، ومن الإسلام كذلك، ولعل الأقرب تعبيرا عن هوية هذا الفكر هو هذا الأخير، وإن كان لم ينضج بعد بما يكفي ليقدم رؤية عالمية بسبب ظروف موضوعية وذاتية أثرت عليه كثيرا. وبالتالي فالفكر العربي الذي انتشر وسيطر كثيرا خلال القرن الماضي على شعوبنا كان صورة مطابقة أو مشوهة عما في الغرب من فلسفات ومذاهب؛ فلهذا صعب عليه أن يتموضع كما صعب على طالبه العربي أن يفعل ذلك أيضا، إلا تموضع من يقلد الذي يتلقى عنه، ولذلك آل هذا الفكر إلى إفلاس في كل المجالات تقريبا. ويبقى الأمل معقودا على العقل المسلم الذي ما إن يعرف ربه حق المعرفة ويدرس خطابه بعمق ونورانية، حتى ينتج ثقافة كونية تستطيع أن تقدم للإنسانية لا محالة الترياق الشافي لأدوائها المزمنة.

 

الناقد للحضارات الأخرى لا بد عليه أن يمتلك مادة للمقارنة، ومن الأحسن أن تكون من حضارته، وإلا انجرف من حيث يدري أو لا يدري مع منطق ما يرى ويعيش. ولقد حدث مثل هذا لنخب اختلطت بدول الغرب ولكنها لم تتعمق كثيرا في حقيقة ما ترى فتحولت إلى أبواق لهم بيننا. الصين حضارة قديمة ولديها اليوم دولة تنزع نحو التوسع والسيطرة، وعلى من اختلط بهم أن يحسن التقويم، فليس معنى أن تتركك السلطات الصينية تؤدي صلاتك أنها ستسمح لك بالتبشير بدينك، في بلد يعتقد الشيوعية والبوذية دينا ويقتل أهلنا الإيغور على دينهم.

 

الصين قوة ناعمة ظاهريا، ولكنها تملك عقيدة عسكرية تريد الهيمنة بها عبر قفازات اقتصادية. القول بأنها لا تسعى للصدام العسكري يصح فقط في القراءة الظاهرية للدبلوماسية الصينية، لأن تحركاتها كلها في العالم توحي بأنها تتمدد بالاقتصاد وتحمل من وراء ظهرها خنجرا. فدعمها لروسيا، وتحرشها بتايوان، وإسنادها لإيران بكثير من المعدات العسكرية، وتدخلها في الصراع على كاشمير، واستفزازها لدول بحر الصين حول الجزر ومعالم حدودها البحرية، وبناؤها لقواعد عسكرية في إفريقيا... كل ذلك يدل على أنها تسعى كأي مستعمر طالع يطمح إلى تركة مستعمر آفل.

الأحدث