جدول المحتويات
إن من دعا إلى عودة هؤلاء المعارضين أصحاب الرأي المخالف سياسيا إلى وطنهم الجزائر غير مستعد لمبدأ بسيط في الديمقراطية هو التداول على السلطة بناء على نتائج الانتخاب الحر النزيه، أي أن النظام الجزائري يريد إسكات هؤلاء فحسب ووضعهم تحت الرقابة داخل البلاد، من دون أن يكون لهم صوت مسموع خارجيا أو أي إمكانية للوصول إلى المعلومة السرية التي تحرج رؤوسا فاسدة ممن لا يزالون في مركز القرار. وإلا ما معنى أن يدعو رئيس الجمهورية المعارضين وهو ببرلين للعودة إلى أرض الوطن والكف عن النشاط في الخارج، وفق "تعهدات باحترام قوانين الجمهورية وممارسة النشاط في إطاره القانوني"، من دون أن يسمح هذا القانون لأصحاب الرأي المخالف بأن يناقشوا أطروحاتهم علانية في وسائل الإعلام الممولة رسميا بأكملها، ويبدوا آراءهم المخالفة للسلطة فيها بلا ملاحقة أمنية في دولة معسكرة حتى الثمالة؟ هذه القوانين صممت لاحتواء المعارضين وخنق إرادتهم للإصلاح شيئا فشيئا.
أما بخصوص سعيد سعدي، فقضيته ليست مع النظام الجزائري، لأنه يعمل منذ البداية مستظلا بجناح معروف لا يزال له حضور قوي في دواليب الحكم، بل قضيته مع الشعب الجزائري كله، باعتباره يرمز لتيار مدعوم من المخابرات الفرنسية معاد للثوابت الوطنية وعلى رأسها الإسلام والعربية، أما الأمازيغية التي يكافح من أجلها فهي أمازيغية معلمنة مخلوطة بأساطير رومانية لا تمت بصلة إلى الثقافة البربرية التي تمثل ركنا ركينا من هوية الشعب الجزائري، وخير من يمثل أصالة الأمازيغ هم الميزابيون في الصحراء الجزائرية.
واضح بأن الألمان لديهم حاجة ملحة للطاقة، لهذا دقوا باب الجزائر واستقبلوا رئيسها والوفد المرافق له لإجراء صفقات الفائدة منها تعود على الألمان بالدرجة الأولى، أي أن الجزائر بالنسبة إليهم أرض بور، أو مواد خام قريبة المنال وسهلة الاستعمال. والسؤال الكبير الذي يطرح على قادة الجزائر هو كالتالي: بما أن ألمانيا لها باع طويل في التصنيع وجودة عالية في الآلة خاصة في وسائل الإنتاج، فلماذا لم تتعامل معها الجزائر مبكرا وتفتح لها السوق الوطنية التي تحتاج بشدة إلى المكننة القوية والجيدة؟ بل فضّل صاحب القرار بدلا من ذلك التعامل مع المنتج الصيني التي يتميز بالرداءة؟ علما بأن ألمانيا على مرمى حجر من حدودنا والشعب الجزائري يعرف الثقافة الأوروبية جيدا أكثر من معرفته بالصينية.
ولا يقولن أحد إن الآلات الألمانية غالية الثمن وليس للشعب القدرة على اقتنائها، والجواب ميسور إذا استحضرنا طبيعة المتعامل الألماني المتحسّب للصفقات المشوبة بالفساد خلافا للصينيين، وكذلك الجمركة الباهظة التي تفرضها الجزائر على المستورد الأجنبي، والأهم من ذلك كله هو الحق الذي لم يعط بعد للشعب الجزائري من الريع الوطني، والذي هو رزق وفير جدا ساقه الله لهذا الشعب المستضعف، ولكن فئة محدودة من الجزائريين تستفيد منه وحدها دون سائر المجتمع؛ فالحسد السياسي إذن والمكس الضريبي واستئثار طغمة حاكمة بمال الأمة هو ما يفسر لنا هذه الظاهرة البئيسة في الجزائر.
مصادر المعلومات التي تبنى عليها الرواية رسمية فقط ولو كانت قضائية، لبعد السلطة القضائية عن الاستقلالية. كما أن الأسباب التي ترجع إليها السلطة والأفراد كثرة الحوادث ومأساويتها كالمخدرات والعجلات وقطع الغيار ونوعية المراكب والطرقات... كلها أسباب تتحكم فيها السلطة، وللأفراد نصيب قليل من المسؤولية فيها. وتبقى الحقيقة هي الغائب الوحيد عن التداول وكل الناس في الجزائر تعلم ذلك العامة والخاصة على حد سواء. إن الترهل الذي أصاب الدولة الجزائرية ليس عرضيا، بل هو جوهري وفي الصميم، فلقد أصاب السلطة في مرجعيتها وفي كفايتها الأدائية، كما أصاب الأفراد في أخلاقهم وتفكيرهم. وتقف الجزائر اليوم على مفترق طرق حاسم: فإما أن تتجدد، وإما أن تتبدد. والأمور موكولة بيد القدر الذي يداول الأيام بين الناس كيف يشاء.
أصبحت المؤسسات العقابية تعج بالنزلاء كأنها فنادق سياحية، ومن النزلاء من بات يتردد عليها مرة بعد أخرى، بلا رادع يردعه من اقتراف هذه الممنوعات وقد أضحى بعض السجناء يتعاطاها باحترافية وإصرار. ثم إن السجون لم تعد موحشة كمل يوحي اسمها، بعدما دخل في خدماتها التعليم والخروج للزيارة، بل توسعت لتشمل تلبية رغبات السجين من خلال حساب يودع فيه بعض ماله، إضافة إلى التغطية شبه التامة لحاجات النزلاء ينفق عليهم فيها من المال العام، وليس المقام مقام الحديث عن صفقات التموين كيف تدار وكيف تنفذ.
إذ الأولى أن أشير إلى موضوعين بارزين، أحدهما يتعلق بالسجناء السياسيين الذي اعتقلوا منذ التسعينيات، والذين لم يفرج عنهم عبر محاكمات عادلة ولا عبر عفو رئاسي يساوي بينهم وبين من كان متسببا في تلك الحوادث من أعلى قمة السلطة، ممن استفاد من قضاء عسكري داخلته السياسة أثناء الحراك الوطني أو عفو رئاسي لم يستوعب الشعب الجزائري كنهه بعد.
والموضوع الثاني يتعلق بقانون العقوبات الوضعي المطبق وغير المستمد من الشرع الحنيف، هذا الأخير الذي تتميز أحكامه بالردع التام ولا تترتب عليه آثار طويلة الأمد تتحمل خزينة الدولة تكاليفها الباهظة، كحد السرقة والاغتصاب والحرابة والقتل العمد والاتجار بالمخدرات وتعاطيها. إن التنكب عن ذلك الواجب الديني الذي كان ساري المفعول في عهد الأمير عبد القادر لم يحلّ قضية العقوبة بالسجن، ولا أعطى الإعفاءات الرئاسية التي تترا المبرر المقنع للشعب.
نصيب المرأة في القطاعات السيادية يؤشر إلى الثلث، وفي كثير من القطاعات الإدارية الأخرى يفوق ذلك المؤشر وقد يتجاوز النصف، وفي الجامعات يربو عددهن ليصل إلى الثلثين أو يزيد. إذن نحن أمام ظاهرة مجتمعية تشجع السلطة فيها النساء على اكتساح الإدارات والوظائف العامة، وتناغيها قابلية لدى الإناث لهذه المنافسة، التي لم تعد بينها وبين أخيها الرجل، بل بينها وبين أخواتها من بني جنسها أيضا. وفي مقابل ذلك لا تتأنث الخدمة العسكرية ولا الأعمال الشاقة في الميدان. وأضحت المرأة الجزائرية في العموم لا تكترث للأسرة، وإن حدث أن تزوجت فبيتها غدا كبيت العنكبوت في الوهن، وعلاقتها بالزوج أمست علاقة موسمية غالبا ما تنتهي بخلع أو طلاق أو تطليق؛ ولذلك تعنست النساء وتعزب الرجال وقل النسل وكثر الفساد وتراجع معدل الولادات وارتفع سن الشيخوخة... فإلى أين تمضي القاطرة بالشعب الجزائري يا ترى؟
لبؤات الجزائر من تنجب الأسود من وراء الستائر، لا من تستعرض أنوثتها في قالب عسكري ليس من شأن المرأة الجزائرية المسلمة، المرأة الأم والأخت والزوجة والبنت. هنالك عمى بصيرة في هذه الاستعراضات العلنية التي تقحم حرمات الجزائريين في مواطن لا تناسبها، وإذا كان ولا بد من مشاركة المرأة في الخدمة الأمنية والعسكرية فبضوابط شرعية تحميها ولا تجعل منها فرجة للناس، وقد أحسنت القيادات الأفغانية والإيرانية في إيجاد فضاء طاهر للنساء في قطاعي الشرطة والجيش، وحبذا لو تقتدي به القيادات العسكرية عندنا. ثم إنني أسأل: ما هو المشروع التنويري البديل عن المشروع "الظلامي"؟ وأين قوانين الإمارة الإسلامية التي أرساها الأمير عبد القادر بن محيي الدين الجزائري لجيش المقاومة؟ وما هي حقوق الله تعالى في حاضر الجزائر ومستقبلها؟
أطلقوا للشعب الجزائري فيلم الأمير عبد القادر لقد طال انتظاره، لعلنا نتعرف فيه على قادة الجزائر المؤسسين للدولة كيف كانوا، وكيف كانت أمهاتنا المقاومات. إن الشهيد العربي بن مهيدي وإخوانه (رحمهم الله) رجال أدوا ما عليهم وقضوا، وبقي آخرون يحسبون أن الجزائر ملك لهم، لا يزالون متشبثين بالسلطة غير أوفياء للشهداء، فلا نامت أعين المبدلين التعساء!