تخطى الى المحتوى

أسس إصلاح مؤسسي مستدام في موريتانيا: تأملات ومقترحات

أحمد محمود إسلم حبيب – اقتصادي

جدول المحتويات

من خلال مساري المهني وتجربتي كمواطن، وتعزز ذلك من خلال الملاحظة الدقيقة لتطور بلدنا، توصلت إلى قناعة مفادها أن الصعوبات التي تواجهها موريتانيا ليست ذات طابع اقتصادي أو مالي فقط، بل إن جذورها تعود بدرجة كبيرة إلى اختلالات مؤسسية وتنظيمية تعيق أداء الدولة، وتحد من فعالية السياسات العمومية، وتؤخر التنمية الوطنية.

 

التحدي الأول هو الاستقرار المؤسسي. ففي العديد من القطاعات، تعتمد البرامج والإصلاحات أكثر على المسؤولين الذين يديرونها بدل أن تعتمد على المؤسسات نفسها. ومع كل تغيير في الوزير أو المسؤول، غالباً ما يعاد تحديد الأولويات، وتتوقف بعض المشاريع، وتُطلق توجهات جديدة دون تقييم حقيقي للسياسات السابقة. هذه الممارسة تضعف استمرارية العمل العمومي، وتؤدي إلى خسائر كبيرة في الموارد، وتمنع تراكم ذاكرة مؤسسية حقيقية.

 

ولا يمكن لأي إدارة حديثة أن تعمل بفعالية إلا إذا اعتمدت على استراتيجيات قطاعية طويلة المدى، تُعد بشكل تشاركي، ويُصادق عليها على أعلى مستوى في الدولة، وتكون قوية بما يكفي لمقاومة التغيرات السياسية. ويجب أن يكون المسؤولون منفذين لهذه الاستراتيجيات لا مالكين لها.

 

العائق الثاني هو ضعف الحوكمة الإدارية. ففي بعض الحالات، تُسند المسؤوليات لأشخاص لا تتناسب كفاءاتهم التقنية أو الإدارية مع متطلبات الوظائف التي يشغلونها. ويضاف إلى ذلك أحياناً تضخم في المناصب الإدارية لا يستجيب لحاجة حقيقية في الخدمة العمومية. هذا الوضع يقلل من فعالية المؤسسات، ويضعف ثقافة الاستحقاق، ويخلق بيئة مواتية للمحسوبية والزبونية والفساد.

 

يجب أن تصبح الكفاءة المعيار الأساسي للوصول إلى المسؤوليات العمومية. فالإدارة الفعالة تقوم على التوظيف الشفاف، والتقييم الموضوعي للأداء، والتكوين المستمر عالي الجودة، وعلى مساءلة حقيقية للمسؤولين العموميين.

 

التحدي الثالث يتمثل في غياب تكامل حقيقي بين القطاعين العام والخاص. ففي الاقتصادات التي تنجح في تحولها، تحدد الدولة التوجهات الاستراتيجية، وتوفر بيئة قانونية مستقرة، وتستثمر في البنى التحتية، بينما يتولى القطاع الخاص خلق الثروة والابتكار وتوفير فرص العمل. أما في موريتانيا، فما زالت هذه التكاملية غير متطورة بالشكل الكافي.

 

لذلك، من الضروري وضع استراتيجية وطنية للشراكة بين القطاعين العام والخاص تقوم على الثقة والشفافية والمصلحة العامة. كما ينبغي إشراك القطاع الخاص بشكل أكبر في صياغة السياسات الاقتصادية، مع تحمله الكامل لمسؤولياته الاجتماعية والضريبية.

 

كما أن مكافحة الفساد تُعد شرطاً أساسياً لأي تنمية مستدامة. فالفساد ليس مجرد خطأ فردي، بل عندما يصبح منظومياً فإنه يحول الموارد العامة، ويثبط المستثمرين، ويقلل من جودة الخدمات العمومية، ويضعف الثقة بين المواطن والدولة.

 

ويجب أن تعتمد هذه المكافحة على عدة أدوات: تعزيز مؤسسات الرقابة، استقلال هيئات التدقيق والتفتيش، حماية المبلغين عن الفساد، رقمنة الإجراءات الإدارية، الشفافية في الصفقات العمومية، والتطبيق الصارم للقوانين دون تمييز بين الأشخاص.

 

كما ينبغي أن يتضمن أي إصلاح طموح للإدارة العمومية تبسيط الإجراءات، وتحديث تسيير الموارد البشرية، ورقمنة الخدمات العمومية، واعتماد التسيير بالأهداف، وتقييم النتائج بشكل دوري. ويجب أن تُقاس أداءات الإدارات ليس بوسائلها، بل بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة لصالح المواطنين.

 

وللمجتمع المدني، والجامعات، والمنظمات المهنية، ووسائل الإعلام دور أساسي أيضاً. إذ يمكنها المساهمة في نشر ثقافة النزاهة، وتعزيز المواطنة، وتشجيع النقاش العام، والمشاركة في تقييم السياسات العمومية.

 

تتوفر موريتانيا على مؤهلات كبيرة: موارد طبيعية وفيرة، وسكان شباب، وموقع جغرافي استراتيجي، وإمكانات اقتصادية مهمة. وإذا ما تم دعم هذه الموارد بمؤسسات قوية، وحوكمة نموذجية، ورؤية طويلة المدى، فإن بلدنا سيكون قادراً على تسريع وتيرة تنميته وتحسين ظروف عيش مواطنيه بشكل مستدام.

 

إن التحدي الحقيقي ليس فقط في توفر الموارد، بل في بناء مؤسسات قوية ومستقرة وذات مصداقية. ويُظهر التاريخ أن الدول التي تنجح هي تلك التي تضع الكفاءة، والنزاهة، واستمرارية العمل العمومي، والحكامة الجيدة في صميم مشروعها الوطني.

 

إن التنمية المستدامة في موريتانيا لن تعتمد فقط على الاستثمارات المالية، بل ستعتمد قبل كل شيء على قدرتنا الجماعية على بناء دولة قانون، وإدارة فعالة، وقطاع خاص مسؤول، ومجتمع متمسك بقيم الاستحقاق، والشفافية، والمسؤولية.

الأحدث