تخطى الى المحتوى

اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. هل بدأت المنطقة إعادة رسم خرائط أمنها؟

أحمد محمد حماده – كاتب ومحلل سياسي

جدول المحتويات

في مكة المكرمة، حيث تختلط الرمزية الدينية بالثقل السياسي، لم يكن المشهد في السابع من أغسطس 2026 مجرد مناسبة دبلوماسية أخرى. هناك، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية للدفاع المشترك، في لحظة تبدو فيها المنطقة وكأنها تعيد اكتشاف حقيقة قديمة: أن الأمن لا يُبنى فقط بما تملكه الدول من قوة، وإنما أيضًا بمن تختار أن تقف إلى جانبه عندما تصبح القوة ضرورية.

 

تنص الاتفاقية، وفق ما أوردته رويترز، على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعتبر هجومًا عليها جميعًا. وهو تعهد يحمل في حد ذاته قيمة ردعية كبيرة، حتى وإن كانت تفاصيل آليات تنفيذه لم تُعلن بصورة كاملة حتى الآن. وقد حرص الموقعون على تقديم الاتفاق باعتباره دفاعيًا، لا يستهدف دولة بعينها ولا يسعى إلى إقامة تحالف طائفي أو سباق نووي.

 

لكن قيمة الاتفاق لا تكمن في العبارة التي تتحدث عن الدفاع المشترك وحدها. الأهم هو أن هذه العبارة تجمع تحت سقف واحد ثلاث دول يصعب تجاهلها عند النظر إلى ميزان القوة الممتد من الخليج إلى شرق المتوسط وجنوب آسيا.

 

السعودية تدخل هذه المعادلة من موقع مختلف عما كانت عليه قبل سنوات. فالمملكة التي بنت أمنها لعقود في إطار شراكة وثيقة مع الولايات المتحدة، أصبحت أكثر اهتمامًا بتنويع علاقاتها الاستراتيجية وتوسيع هامش حركتها. وهذا لا يعني القطيعة مع واشنطن، بقدر ما يعني أن الرياض تريد أن يكون لديها أكثر من خيار عندما يتعلق الأمر بأمنها ومصالحها الحيوية.

 

والتوقيت ليس تفصيلًا هامشيًا.

 

فالمنطقة تعيش منذ أشهر على وقع تصعيد بالغ الخطورة، فيما تواجه السعودية مخاطر مرتبطة بامتداد الصراع إلى منشآتها الحيوية وموانئها وممراتها البحرية. وفي هذه البيئة المضطربة، يصبح مفهوم «الردع» أكثر أهمية من مفهوم «الحرب».

 

تركيا، من جهتها، تضيف إلى المعادلة وزنًا عسكريًا وصناعيًا وجغرافيًا لا يمكن تجاهله. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها خلال العقد الأخير وسّعت هامش استقلالها في السياسة الخارجية، وطورت علاقاتها مع القوى الإقليمية، وأصبحت صناعاتها الدفاعية جزءًا أساسيًا من نفوذها الخارجي.

 

أما باكستان، فليست طرفًا جديدًا في الحسابات الأمنية السعودية. فقد وقعت الرياض وإسلام آباد في سبتمبر 2025 اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك، نصت على أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يُعتبر اعتداءً على كلتيهما. ومن ثم فإن اتفاق مكة لا يبدو وكأنه مشروع ظهر بين ليلة وضحاها، وإنما أقرب إلى تجميع لمسارات كانت تتقدم منفردة، ثم وجدت في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب فرصة للالتقاء.

 

حتى العلاقة العسكرية بين تركيا وباكستان كانت تتحرك في الاتجاه نفسه. ففي أبريل 2026 عقد البلدان الجولة العشرين من مجموعة الحوار العسكري رفيع المستوى، وناقشا الأمن الإقليمي، والتعاون الدفاعي، والصناعات العسكرية، والتدريب وبناء القدرات. كما بحثا توسيع الشراكة في المجال الصناعي الدفاعي.

 

لهذا، فإن اتفاق مكة ليس بداية القصة، وإنما ربما يكون اللحظة التي انتقلت فيها ثلاث مسارات منفصلة إلى مساحة واحدة.

 

لكن هل يعني ذلك أننا أمام «ناتو إسلامي»؟

 

هنا يجب التمهل.

 

التشبيه مغرٍ، لكنه أكبر من الوقائع المتاحة حتى الآن. فالناتو ليس مجرد تعهد سياسي بالدفاع عن الأعضاء، بل منظومة مؤسساتية وعسكرية متكاملة، لها قيادة مشتركة وهياكل تخطيط وآليات تشاور وقدرات عملياتية تراكمت على مدى عقود.

 

أما اتفاقية مكة، فلا توجد حتى الآن معلومات معلنة تسمح بوضعها في المستوى نفسه. بل إن السؤال الأساسي ما زال مفتوحًا: ماذا يحدث عمليًا إذا تعرضت إحدى الدول الثلاث لهجوم؟

 

هل تتحرك الجيوش الثلاثة تلقائيًا؟ هل يقتصر الأمر على الدفاع الجوي أو تبادل المعلومات؟ هل تقدم إحدى الدول دعمًا لوجستيًا أو استخباراتيًا؟ ومن يتخذ القرار؟

 

هذه الأسئلة تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة هي التي ستحدد قيمة الاتفاق.

 

فالردع لا يولد من الكلمات وحدها. الردع يحتاج إلى أن يصدق الخصم المحتمل أن التعهد السياسي يمكن أن يتحول، عند الضرورة، إلى فعل.

 

وهنا تحديدًا تكمن المسافة بين اتفاقية مكة وحلف الناتو.

 

لكن ذلك لا يقلل من أهميتها. فقد يكون من السابق لأوانه الحديث عن حلف عسكري متكامل، بينما يمكن الحديث بثقة أكبر عن نواة لترتيب أمني إقليمي جديد.

 

واللافت أن الاتفاق لا يبدو مصممًا، وفق التصريحات المعلنة، لمحاربة دولة بعينها. وهذه نقطة مهمة في فهم حسابات الدول الثلاث.

 

إيران، بطبيعة الحال، ستكون من أكثر العواصم اهتمامًا بما جرى في مكة. فقيام إطار دفاعي يضم السعودية وتركيا وباكستان يضيف متغيرًا جديدًا إلى الحسابات الإيرانية.

 

لكن اختزال الاتفاق في مواجهة طهران سيكون تبسيطًا مخلًا.

 

فتركيا لا تتعامل مع إيران بمنطق العداء المطلق؛ هناك تنافس في ملفات إقليمية، لكن هناك أيضًا مصالح اقتصادية وسياسية مشتركة. وباكستان، بحكم الجغرافيا، لا تستطيع أن تنظر إلى إيران إلا من خلال حسابات دقيقة ومعقدة. أما السعودية، فرغم خلافاتها الأمنية والاستراتيجية مع طهران، فقد أظهرت خلال السنوات الأخيرة استعدادًا لإدارة التنافس عبر الدبلوماسية أيضًا.

 

وهذا يجعل «الردع» ربما هو الكلمة المفتاحية لفهم الاتفاق.

 

أن تقول الدول الثلاث إن الاعتداء على إحداها يعني مواجهة الثلاث، هو في حد ذاته محاولة لرفع تكلفة أي مغامرة عسكرية محتملة.

 

وفي عالم مضطرب، قد يكون أفضل تحالف دفاعي هو ذلك الذي لا يضطر إلى خوض حرب أصلًا.

 

إسرائيل ستقرأ التطور بالطبع من زاوية مختلفة. فإطار يجمع السعودية وتركيا وباكستان يضيف عنصرًا جديدًا إلى البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، خصوصًا إذا تطورت الاتفاقية لاحقًا إلى تعاون سياسي وأمني أوسع.

 

لكن من الضروري الفصل بين التحليل السياسي والوقائع. لا توجد، وفق المعلومات المعلنة، صياغة تجعل الاتفاق تحالفًا عسكريًا موجهًا ضد إسرائيل. بل إن الدول الموقعة قدمته باعتباره اتفاقًا دفاعيًا عامًا.

 

الهند بدورها لن تتجاهل التطور.

 

فوجود باكستان داخل اتفاق للدفاع المشترك يفرض على نيودلهي مراقبة كيفية تفسير الالتزامات الجديدة، خصوصًا في حال وقوع أزمة مستقبلية بين الهند وباكستان.

 

لكن من الصعب افتراض أن السعودية أو تركيا ستعتبران نفسيهما ملزمتين تلقائيًا بالدخول في أي مواجهة هندية – باكستانية. فلكل منهما علاقات اقتصادية وسياسية مهمة مع الهند، كما أن مفهوم «الهجوم المسلح» نفسه يحتاج إلى تفسير قانوني وسياسي قبل معرفة حدود تطبيقه.

 

وهذه واحدة من النقاط التي ستختبر صلابة الاتفاق مستقبلًا.

 

فالتحالفات الكبرى لا تُختبر في حفلات التوقيع، وإنما عندما تأتي اللحظة التي يصبح فيها الالتزام مكلفًا.

 

وهنا تبرز الولايات المتحدة.

 

قد يبدو للوهلة الأولى أن قيام السعودية وتركيا وباكستان بترتيب دفاعي مستقل هو تحدٍ للنفوذ الأمريكي. لكن الصورة أكثر تعقيدًا.

 

تركيا عضو في الناتو، والسعودية وباكستان ترتبطان منذ عقود بعلاقات أمنية وعسكرية مع واشنطن. لذلك يصعب النظر إلى الاتفاق باعتباره قطيعة مع النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة.

 

لكن السؤال الأكثر حساسية يبقى: هل ستسمح واشنطن لهذا الترتيب بأن يتحول إلى منظومة استراتيجية مستقلة وفاعلة؟

 

من الصعب تصور أن الولايات المتحدة ستتعامل مع اتفاق يجمع السعودية وتركيا وباكستان كأمر ثانوي. فالدول الثلاث ترتبط بها بدرجات مختلفة من التعاون الأمني والعسكري، وهو ما يمنح واشنطن أدوات تأثير مهمة في مسار الاتفاق، من التعاون العسكري والتسليح والتدريب، إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية.

 

غير أن هناك فارقًا بين التأثير والمنع.

 

فواشنطن لا تملك بالضرورة حق الفيتو على خيارات دول ذات سيادة، ولا يبدو أن الدول الثلاث مستعدة للتخلي عن هامشها المتزايد في تنويع الشراكات. بل إن الاتجاه الذي تسلكه الرياض وأنقرة وإسلام آباد منذ سنوات يوحي بأنها تريد الاحتفاظ بعلاقاتها مع القوى الكبرى، مع امتلاك خيارات إضافية بدل الارتهان لقوة واحدة.

 

ومن ثم قد لا يكون السيناريو الأكثر واقعية أن تحاول واشنطن إفشال الاتفاق، وإنما أن تسعى إلى التأثير في اتجاه تطوره.

 

قد تشجع الولايات المتحدة على بقاء الاتفاق في إطار دفاعي إقليمي، وتحرص على ألا يتحول إلى كتلة استراتيجية معادية لمصالحها، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات التعاون الأمني القائمة مع الدول الثلاث. بل إن واشنطن قد تجد، في مرحلة معينة، مصلحة في نجاح الاتفاق إذا أسهم في ردع الهجمات وحماية أمن الخليج والاستقرار الإقليمي دون أن يؤدي إلى إقصاء الدور الأمريكي.

 

لكن الحسابات الأمريكية ستصبح أكثر تعقيدًا إذا انتقل الاتفاق من مجرد تعهد سياسي إلى بنية عسكرية مستقلة: مجلس دفاع مشترك، وتنسيق استخباراتي دائم، وتدريبات عسكرية منتظمة، وتكامل في الصناعات الدفاعية، وربما ترتيبات عملياتية مشتركة. عندها لن نتحدث فقط عن تعاون بين ثلاث دول، وإنما عن ظهور قطب أمني إقليمي قادر على اتخاذ قراراته بدرجة أكبر من الاستقلال عن المظلة الأمريكية التقليدية.

 

وهنا تكمن المفارقة.

 

قد لا تكون المشكلة بالنسبة إلى واشنطن في أن تتعاون السعودية وتركيا وباكستان، وإنما في أن تنجح هذه الدول فعلًا في تحويل تعاونها إلى قدرة استراتيجية مستقلة.

 

وفي هذه الحالة، ستواجه الولايات المتحدة خيارًا أكثر تعقيدًا: هل تتعامل مع الترتيب الجديد باعتباره تهديدًا لنفوذها، أم تستوعبه ضمن النظام الأمني الإقليمي وتبني معه قنوات تعاون تحفظ مصالحها؟

 

ربما يكون الخيار الثاني أكثر واقعية. فالنظام الدولي نفسه يتجه نحو مزيد من التعددية، والقوى الإقليمية أصبحت أكثر قدرة على المناورة بين مراكز القوة المختلفة. ولذلك فإن محاولة منع كل ترتيبات أمنية مستقلة قد تكون أقل فاعلية من محاولة التأثير في اتجاهها وشكلها وحدودها.

 

ومن هنا فإن مستقبل اتفاق مكة لن يتحدد فقط في الرياض وأنقرة وإسلام آباد، بل سيكون جزءًا من اختبار أوسع للعلاقة بين القوى الإقليمية والقوى الكبرى.

 

أما على المستوى الاقتصادي والعسكري، فقد تصبح الصناعات الدفاعية أحد أعمدة الشراكة الجديدة.

 

فالتعاون التركي – الباكستاني في هذا المجال قائم أصلًا، والحوارات العسكرية بين البلدين تتناول بصورة منتظمة الصناعات الدفاعية والتدريب وبناء القدرات. وإذا التقت الخبرة الصناعية التركية مع الخبرة العسكرية الباكستانية والقدرة الاستثمارية السعودية، فقد تظهر مجالات تعاون جديدة في التكنولوجيا والأمن السيبراني والاتصالات والفضاء وغيرها.

 

لكن هنا أيضًا ينبغي عدم المبالغة.

 

فالدول الثلاث ليست كتلة واحدة. لكل منها مصالحها، وعلاقاتها الدولية، وحساسياتها الأمنية. وما تعتبره الرياض تهديدًا قد لا تراه أنقرة أو إسلام آباد بالطريقة نفسها.

 

وهذا هو التحدي الحقيقي.

 

هل تستطيع الدول الثلاث بناء تعريف مشترك للتهديد؟

هل تستطيع إنشاء آلية تشاور فعالة؟

هل تستطيع تنظيم تدريبات مشتركة؟

هل ستنشئ هيئة أو مجلسًا دائمًا للدفاع؟

وهل ستنتقل الاتفاقية من ورقة سياسية إلى ترتيبات عسكرية وأمنية يمكن اختبارها؟

 

الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان السابع من أغسطس 2026 مجرد تاريخ دبلوماسي مهم، أم بداية تحول حقيقي في هندسة الأمن الإقليمي.

 

وربما تكون أفضل طريقة لفهم اتفاق مكة هي ألا ننظر إليه من خلال السؤال الشائع: «هل هو ناتو إسلامي؟».

 

السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع ثلاث قوى إقليمية أن تبني إطارًا أمنيًا أكثر استقلالًا عن المظلات الخارجية؟

 

إذا نجحت التجربة، فقد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، لا تختفي فيها الولايات المتحدة ولا تنتهي فيها التحالفات التقليدية، وإنما تصبح فيها دول المنطقة نفسها أكثر قدرة على إنتاج ترتيباتها الأمنية.

 

وإذا فشلت، فستبقى اتفاقية مكة اتفاقًا سياسيًا مهمًا، يحمل دلالة رمزية كبيرة، لكنه لن يكون قادرًا وحده على تغيير ميزان القوة.

 

في النهاية، ليست قوة الاتفاقية في الكلمات التي وقعت في مكة، وإنما في ما سيأتي بعدها.

 

فالتحالفات الحقيقية تبدأ بعد مراسم التوقيع: في غرف العمليات، وفي التمارين المشتركة، وفي تبادل المعلومات، وفي القدرة على اتخاذ قرار موحد عندما تضيق الخيارات.

 

وهناك فقط سيظهر ما إذا كانت مكة قد شهدت توقيع اتفاق دفاعي آخر، أم كانت بالفعل شاهدة على ولادة معادلة استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط.

 

وفي منطقة اعتادت أن تتغير خرائطها الأمنية تحت تأثير القوى الخارجية، قد تكون الرسالة الأعمق لاتفاق مكة أن دول المنطقة بدأت، ولو بحذر، محاولة رسم جزء أكبر من خريطتها بنفسها.

الأحدث