تخطى الى المحتوى

ريادة الأعمال النسائية: مستقبل يتنازعه الالتزام المؤسسي وعزيمة النساء

الشيخ أحمد ولد محمد – مهندس - رئيس مصلحة "الدراسات والتطوير" بمؤسسة ميناء خليج الراحة "نواذيبو"

جدول المحتويات

دفعت الطموحات العالية والرغبة الراسخة في الاستقلالية النساء الموريتانيات إلى النضال من أجل نيل حرية أكبر تُعزز موقعهن في عالم الأعمال. ورغم العوائق الهيكلية والاجتماعية والثقافية التي تحيط بها، تظل ريادة الأعمال النسائية معركة طويلة المدى، لكنها محمّلة بالآمال والفرص؛ إذ تؤكد الأرقام هذه الحقيقة: إن إرادة النساء الموريتانيات في تأسيس المقاولات والشركات قوية ومستمرة.

 

وإدراكاً للدور المحوري الذي تلعبه ريادة الأعمال النسائية في تحقيق النمو الشامل، كثّفت حكومتنا جهودها لتشجيع المقاولات ودعمهن عبر إطلاق العديد من البرامج الموجهة لتحسين فرصهن في الوصول إلى التمويل، والتدريب، وبناء شبكات التواصل. كما تطور الإطار التشريعي لضمان إدماج اقتصادي أكبر للمرأة، مما يعكس الالتزام المؤسسي بتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص. واليوم، أصبحت النساء الموريتانيات أكثر تعليماً من أي وقت مضى، حيث يمثلن أكثر من نصف المسجلين في الجامعات، إلا أن مشاركتهن في المنظومة المقاولاتية ما زالت دون المستوى المطلوب. فلماذا لم تستغل طاقاتهن واستثمار قدراتهن بالشكل الكامل بعد؟

 

طاقات غير مستغلة في بيئة متغيرة

يبقى الوصول إلى الأسواق ونقص التمويل من أبرز العقبات التي تواجه المقاولات الموريتانيات. ومع ذلك، ثمة قطاعات واعدة كثيرة مفتوحة أمامهن، أبرزها: الاقتصاد الدائري، والصناعات الإبداعية، والصناعات الغذائية المستدامة، والخدمات الشخصية. لكن يظل التمويل عصب المعركة؛ إذ تمول معظم الشركات التي تديرها النساء من أموالهن الخاصة أو العائلية، وتتحصل نسبة ضئيلة منهن فقط على قروض بنكية.

 

ولا تأخذ معايير التقييم التي تعتمدها البنوك بعين الاعتبار - في كثير من الأحيان - خصوصيات المشاريع النسائية التي تركز غالباً على الأثر الاجتماعي والبيئي. ومن الضروري إعادة النظر في هذه المعايير لإدراج الاستدامة طويلة المدى والأثر المجتمعي بدلاً من الاعتماد الحصري على الضمانات المالية. ومع ذلك، بدأت بعض المبادرات بالظهور؛ حيث يشكل إصدار الهيئة الوطنية لسوق رأس المال لسندات مخصصة خطوة فارقة في هذا الاتجاه، وتهدف هذه الصناديق إلى تمويل المشاريع التي تقودها النساء حصراً وتسهيل وصولهن إلى الموارد المالية.

 

كسر العزلة عبر التكوين والتدريب

بعيداً عن التمويل، تبرز الحاجة إلى تعزيز منظومة متكاملة للدعم والمواكبة؛ إذ لا يزال الخوف من الفشل ونقص التدريب يعيقان الكثير من النساء. ولمواجهة هذه الإشكالية، طوّرت الدولة برامج للتأطير والتدريب تهدف إلى إكساب المقاولات مهارات التسيير، والقيادة، والتقنيات الرقمية. كما تبرز شبكات التواصل كأداة فعالة لكسر العزلة وتسريع نمو الشركات التي تديرها النساء.

 

وجدير بالذكر أن المشاركة في أندية الأعمال، والمنتديات، وحاضنات الأعمال تمكّن النساء من بناء علاقات إستراتيجية، وإيجاد موجهين، والوصول إلى أسواق جديدة. ولا يقل التحول الرقمي أهمية عن ذلك؛ فهو يتيح فرصة غير مسبوقة للمقاولات اللاتي يمكنهن الاستفادة من برامج متخصصة عبر الإنترنت لتطوير أنشطتهن، مما يفتح أمامهن آفاقاً جديدة في السوق الدولية.

 

ومع ذلك، لا يمكن لريادة الأعمال النسائية أن تزدهر بشكل كامل دون وجود منظومة شاملة وتكامل بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، والماليين، والمؤسسيين. ومن الضروري تجاوز تدابير الدعم التقليدية وإعادة التفكير في منهجية المرافقة، لا سيما من خلال تطوير سياسات موجهة تفضل النفاذ الأولي إلى الصفقات العمومية والخاصة، ومنح علامات تجارية خاصة للشركات التي تقودها النساء، بالإضافة إلى تحسيس المستثمرين بالفرص التي تتيحها ريادة الأعمال النسائية.

 

وإذا كانت بلادنا قد أرست دعائم الإدماج الاقتصادي للمرأة، فإن الأرقام تؤكد الحاجة إلى تغيير حقيقي في النهج المتبع. ومن هذا المنطلق، أدعو إلى إصلاح عميق للإطار التنظيمي والمالي، وإلى تغيير العقليات لتصبح المرأة شريكاً مستقلاً في الاقتصاد الوطني. وأرى من الضروري إدراج وحدات تدريسية حول ريادة الأعمال في التعليم الجامعي وتكثيف حملات التوعية لترسيخ الصورة الذهنية للمرأة المقاولة. إن ريادة الأعمال النسائية واقع يتطور باستمرار، وبفضل بعض التعديلات السياسية والمالية والثقافية، يمكن لهذا القطاع أن يصبح أحد المحركات الرئيسية للنمو الشامل في البلاد.

الأحدث