جدول المحتويات
إذا كان لأسماء الأشخاص من الأبعاد الثقافية والاجتماعية والنفسية ما لا يدركه إلا أهل الاختصاص، فإن أسماء الدول أكثر أهمية وأشد خطورة، لأنها تتجاوز تأثير الاسم الشخصي على المسمى وتوجيه نظرته لنفسه وعلاقته بمن حوله، إلى تأثير أوسع وأعمق في صورة البلد وفي أنفس من ينتسبون إليه بل وإلى العالم الذي يتواصلون معه.
إن أول وظائف الاسم الطبيعية هي التمييز، ولذا تحرص بعض اللغات الشرقية أن يكون في كل اسم دالة أو نبرة أو حركة تميز الفرد حتى داخل أسرته بين إخوته وأخواته، ولذا يفقد الاسم كثيرا من معناه إذا أدى للبس أو كثر حتى صار أقرب إلى النكرات المبهمة منه إلى المعارف المعروفة. لكن البحث عن اسم مميز لا ينبغي أن يدفعنا إلى الإيغال في الغرابة المعنوية أو الصوتية التي ربما تشكل عائقا من عوائق التواصل والاتصال بين الأفراد والدول. فالعلاقة بين الاسم والمسمى ينبغي أن توازن بين مقصدي التعريف والتأليف؛ تعريف المسمى بحيث يكون له اسم يميزه، وتأليف القلوب بحيث يكون لاسمه نوع من القرب إلى نفسه وإلى من حوله من أفراد ومجتمعات.
لقد أتيجت للرئيس المختار وجيل التأسيس معه فرصة نادرة لم تتح لكثير من البلدان، حيث إنهم بدأوا تأسيس الدولة من الصفر تقريبا، فأتاح لهم التاريخ فرصة تصميم العلم، واختيار العاصمة، وتسمية الجمهورية الوليدة، وقد وفق الرئيس ومن معه في اختيار أول صفتين: الجمهورية والإسلامية، ولكنهم أبعدوا النجعة في مجاراة المستعمر في صفة: الموريتانية التي أصبحت هي اسم الشهرة للبلد. ولا أرى مبررا مقنعا للابتعاد عن اسم شنقيط؛ فإن كان خوفا من حمولته التاريخية فهي في صالح البلد، وإن كان خوفا من كليته أو جزئيته فما أكثر البلدان التي سميت بأسماء أعم أو أخص من حدودها، وما المغرب والجزائر عنا ببعيد، وإن كان هربا من نفوذ المملكة المغربية حين التأسيس كما ألمح إلى ذلك المختار رحمه الله في مذكراته فقد زال هذا التخوف، وحتى لو رضينا بالابتعاد عن شنقيط فقد كان في المعجم العربي الإسلامي مندوحات عن هذا الاسم الروماني الغريب ذي الدلالة اللونية التي تتناقض مع وصف الجمهورية.
ليست المرة الأولى ولا أظنها الأخيرة التي التبس فيها اسم موريتانيا وموريشيوس، أحيانا في أمور سلبية وأحيانا فيما هو إيجابي، وأخراها قبل أيام كنت أستمع إلى قصص مسموعة لكتاب عالمين، وتفاجأت بالتعريف بكاتبة اسمها أناندا ديفي يقول صاحب المقدمة إنها ولدت في موريتانيا وعاشت بداية حياتها في نواكشوط، ففرحت بالقصة الرائعة التي كان عنوانها "السفير الحزين" ولفت انتباهي أنها تتحدث عن حزن وقلق يعيشه سفير مفترض لبريطانيا العظمى في الهند، فقلت في نفسي ما هذا الخيال بخيال من تربى وعاش في نواكشوط، لأجد بعد البحث أنها كاتبة من موريشيوس التي لا يجمعنا بها سوى تشابه الأسماء. وأما عن اسم عن العاصمة نواكشوط فحدث ولا حرج. صحيح أن هذا الاسم موروث منذ القدم إلا أنه يشكل عائقا من عوائق التواصل الحقيقي، فلا يعرف أصل الاسم إلا قلة قليلة من أهل التاريخ الثقافي للبلد، ولا يكاد ينطقه بشكل صحيح من أهل البلدان الأخرى إلا قلة أقل من ذلك بكثير لما اجتمع فيه من صفات الغرابة الصوتية والمعنوية التي يحذر منها أهل البلاغة العربية.
وإذا كانت غرابة الاسم من الأخطاء، فإن من الخطايا أن يكون الاسم له دلالة عنصرية أو إيحاء سلبي على النفس أو الغير، وإني لأعجب من احتفاظ دول بأسماء لم تخترها رغم ما فيها من دلالات غير إيجابية أو لا دلالات لها على الإطلاق، كما يروى أن بعض الرحالة والمستعمرين سموا بلدانا بأكملها بما يوحي بوصف أول من ظهر لهم من سكانها، أو بسؤال أو أول صوت سمعوه من أهلها ليقترن بها وتقترن به إلى الأبد. لقد كانت البلدان قديما تتسمى باسم القوم الذين سكنوها حين كانت الشعوب متمايزة جغرافيا، ففرنسا ما هي إلا بلاد الفرنجة، وإنجلترا، أو إنجلاند ما هي إلا أرض الإنجل، ولاحقة "ستان" التي نجدها في أسماء دول آسيوية ما هي إلا إضافة أرض لقوم بأعيانهم في الغالب، ولا نزال نجد اسم أرض البيظان واسم السودان بشكل رسمي وبشكل غير رسمي أحيانا أخر، ولا أرى اسم موريتانيا في أصله بعيدا عن هذا المعنى إذا عرفنا أن بادئة "مور" ذات إيحاء باللون الذي ميز سكان أهل الصحراء عن ألوان من يجاورونهم من الجنوب والشمال.
صحيح أننا لن نستطيع إعادة التاريخ ولا التخلص من الجغرافيا، ولن نتمكن من تنقية الأجواء من انحيازات اللغة بشكل تام، إلا أن بالإمكان التقليل من تلك الانحيازات عن طريق الابتكار والتجديد في الأسماء والمسميات، إما من خلال اختيار أسماء إيجابية معرفة لا تؤدي إلى نقص أو لبس، وإما من خلال خلق مسميات جديدة كأن نؤسس عاصمة جديدة، كما فعل آخرون، وحينها تكون لنا حرية اختيار الاسم ونبتعد عن إكراهات التاريخ والجغرافيا العنيدة. إن على كثير من الدول والعواصم إعادة النظر في أسمائها ونحن من أولها، ولن نكون بدعا في ذلك، وأرى أن جميع أسماء الدول والعواصم الغربية لا تؤدي مقصدها الحقيقي في التعريف، كما أن الأسماء ذات المنحى اللوني أو العرقي لم يعد لها مكان في هذا العصر الذي اختلطت فيه شعوب الأرض، فلم يعد هناك بلد لقوم دون غيرهم، وليست هناك بلاد لموروستان ولا سودانستان ولا عربستان، والأرض لله يورثها من يشاء.