جدول المحتويات
بحلول الذكرى السابعة لتنصيب رئيس الجمهورية، صعدت الحكومة ولواحقها حملتها الإعلامية واستعرضت ما تعتبره حصيلة زاخرة بالإنجازات، بينما المعيار الحقيقي لتقويم الحكومات ليس عدد المشاريع المعلنة، ولا كثافة الحملات الإعلامية، وإنما أثر السياسات على حياة المواطن اليومية.
ما أشبه الحكومة التي تعدد المشاريع، وتتحدث عن النمو الاقتصادي والمؤشرات الاقتصادية المطمئنة، ما أشبهها - حين لا ينعكس ذلك إيجابيا على حياة المواطن - بثري يتفاخر بأرقام ثروته الفلكية وعياله في ضيق وضياع!!
إن المواطن لا يعيش بالمؤشرات الرسمية، بل يعيش بأسعار السوق، وخدمة المستشفى، والمدرسة، وظروف مكان العمل وكفاءة الأجر، وإدارة الخدمات العمومية. ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال الجوهري: هل أصبح الموريتاني بعد السبع سنوات أكثر قدرة على العيش بكرامة؟
وهنا يتحدث الواقع بصدق، فيحدثنا عن القدرة الشرائية المتضائلة يوما بعد يوم، نتيجة لغلاء أسعار المواد الأساسية، والخدمات، فضلا عن رداءة أغلب ذلك، ويروي لنا أن الأجور والعلاوات ذات التوزيع المختل لم تعرف تطورا يتناسب مع هذا الارتفاع، ولا إعادة توزيع تنحو منحى العدالة، وتدل على إرادة إصلاح حقيقي. فيخلص إلى نتيجة أن عموم المواطنين والعمال تصاعدت معاناتهم، وتنامي عجزهم عن تغطية احتياجاتهم الأساسية؛ إذ ما زال تحدي وفرة الماء والكهرباء حتى في العاصمة قائما بقوة، وهنا يستشهد بقطعة وليدة للأديب الكبير محمد سالم جدو تعبر تعبيرا طريفا عن وضعية خدمة الماء مزامنة مع الاحتفاء بهذه السبع:
الماء فجرا ألما *** كأنه طيف نعمى
ألمَّ بعد ثلاث *** تكفيه هجرا وصرما
يسيل كالدمع هونا *** بالضعف كيفا وكما
وغاب بعد قليل *** ولم نجد منه عزما
يا ماء أمرك إمر *** يحتاج فهما وحسما
إذ تقطع الطُّرْق فيضا *** أذاك عم وطما
ولا تبل غليلا *** فنحن نضحى ونظما
وفي المنازل صفر *** وفي الأنابيب فظما
ويحدث عن خدمة الصحة فيستطرد تكاليف ومعاناة أفواج المسافرين للعلاج نحو دول الجوار جنوبا وشمالا، وفي المستشفيات والمراكز والنقاط الصحية الوطنية مذكرا برداءة أغلب الأدوية وندرة بعضها، دون أن ينسى أن إجراءات صندوق التأمين الصحي الأخيرة مثلت تقهقرا كبيرا في مستوى التأمين الصحي وتقلصت الاستفادة منه بنسبة عظيمة، لافتا الانتباه إلى معاناة عمال القطاع فما زالت نقاباتهم تطالب بتطبيق بروتوكول 2019 خاصة فيما يتعلق بعلاوة الخطر، إلى غير ذلك من المطالب.
ثم يتحدث عن التعليم فيصدمنا بالضعف الشديد في نسب النجاح في الامتحانات الوطنية، ويبدي تراجع الأداء التأطيري، وتنامي تذمر عمال التعليم بمختلف أسلاكهم بسبب تواصل الغبن الممارس ضدهم - رغم أنهم يقدمون أعظم خدمة - ليستخلص أنه رغم الدعايات البالغة فإن العملية التربوية ما زالت تروح مكانها في القاع.
أما حديثه عن البطالة بين الشباب وحملة الشهادات، فحديث ذو شجون، فما زالت تمثل أحد أبرز التحديات الوطنية، إذ يتخرج في كل سنة آلاف الشباب، لكن سوق العمل لا يستوعب إلا نسبة محدودة منهم، في وظائف هي في معظمها هشة لا تستجيب لمتطلبات العمل اللائق، وتلك أمور تنعكس على الاستقرار الاجتماعي وعلى ثقة الشباب في المستقبل، وتمثل عوامل الطرد والهجرة..
ثم ينتقل من حديث البطالة إلى حديث العمل فيفصل كيف أن عامة الملفات المهمة ما زالت تنتظر المعالجة، كمراجعة منظومة الأجور، واحترام معايير العمل اللائق، وضمان سلامة بيئة العمل، ومراجعة قوانين الحماية الاجتماعية بشتى مشمولاتها التي من أبرزها التعويضات العائلية والتقاعد (تتحدث أوساط حكومية عن دراسة حوله متكتم عليها أعدت في تجاهل تام للنقابات) وحوادث العمل والتأمين الصحي، ثم يستخلص أن الحوار الاجتماعي غائب رغم كونه الوسيلة الحضارية لحل الإشكالات المختلفة، وأنه حتى بعد تنظيم التمثيلية النقابية التي كانت تعلق عليها آمال كبيرة؛ ما زالت إدارة العمل المتغولة تتصرف كما يحلو لها في تمثيل النقابات وعضويتها في مجالس الإدارة وانتداباتها محتجة بفهمها للنص، ولو خالف نص النص، حالها مع الحكومة كحال الأخطل مع عبد الملك:
إذا ما نديمي علني ثم علنـــــــي *** ثلاث زجاجات لهن هدير
خرجت أجر الذيل زهوا كأنني *** عليك أمير المؤمنين أمير
وأما الحديث عن الحرب على الفساد فهو حديث من الطرافة بمكان حسب الواقع، إنه يراها حربا لا يعرف لها ضحايا، ولا تتميز بمظاهر مقنعة، إذ ما زالت أغلب التعيينات حسب الولاء، وما زلت بنود كثيرة في الميزانية تصرف في وظائف ومهام ليست من الضرورة بمكان، وما زال التجاهل والإهمال مآل كل مقترح بإعادة الهيكلة أو تقليص الوزارات أو المؤسسات.
إن تقويم أي تجربة حكم لا ينبغي أن يكون مناسبة للمبالغة في المديح ولا للمبالغة في التشاؤم، وإنما فرصة للمراجعة الصادقة. فالحكومات تستحق الثناء بقدرتها على تحسين حياة الناس، والدول تتقدم عندما تعتبر النقد الموضوعي وسيلة للإصلاح لا سببا للتهميش والإقصاء.
فالاحتفال الحقيقي بمرور سبع سنوات لا يكون بإقامة المهرجانات وإطلاق الشعارات، بقدر ما يكون بتقديم حصيلة دقيقة لا مزايدة فيها، والاعتراف بما تحقق كما تحقق، والجرأة في مواجهة ما لم يتحقق، لأن المواطن هو الغاية الأولى لأي سياسة عامة، والعامل هو المحرك الأساسي لأي اقتصاد وطني.
لقد شهدت البلاد خلال السنوات السبع الماضية إنجازات في بعض مجالات البنية التحتية (طرق، مدارس، مؤسسات صحية) واستقرار الأمن والسياسة الخارجية، والرقمنة (هويتي، خدماتي، عين...) ومن الإنصاف الاعتراف بها. غير أن جوانب القصور أعظم وأهم، لأن التنمية عملية متكاملة، لا يجوز الحديث عنها إلا عندما يشعر بها المواطن في حياته اليومية، فالحديث عن النجاح الاقتصادي دون أن ينعكس على معيشة المواطن مغالطة، والنمو الاقتصادي، مهما بلغت نسبته، يفقد معناه إذا لم يؤد إلى تحسين القدرة الشرائية للمواطن، وتطوير وتسهيل الخدمات، وتحسين الأجور، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتعزيز العدالة في توزيع ثمار التنمية. والديمقراطية التي لا تقدم حوارات ومفاوضات جماعية مثمرة هي ديمقراطية جوفاء.