جدول المحتويات
في عالم اليوم، لم تعد الأموال وحدها هي ثروة البنوك، بل أصبحت بيانات العملاء هي أغلى ما تملكه أي مؤسسة مالية. فكل عملية مصرفية، وكل حساب، وكل معلومة شخصية تمثل جزءًا من الأمن الاقتصادي للدولة وحقًا أساسيًا للمواطن في حماية خصوصيته.
ورغم ذلك، ما زالت بعض البنوك في موريتانيا تعتمد بشكل كبير على شركات ومتعاقدين أجانب لإدارة الأنظمة المصرفية، وقواعد البيانات، وصيانة الشيفرة المصدرية للتطبيقات. وقد يكون هذا مقبولًا في مرحلة التطوير الأولى، لكنه لا ينبغي أن يصبح اعتمادًا دائمًا دون خطة واضحة لنقل المعرفة والسيطرة الكاملة إلى البنك نفسه.
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مسؤول مصرفي هو: هل يمتلك البنك المعرفة الكاملة بمنظومته التقنية؟ وهل يستطيع تشغيل أنظمته وإدارتها بالكامل إذا انتهى عقد الشركة أو المتعاقد الخارجي؟
في المؤسسات المالية العالمية، لا يقتصر الأمن على حماية الخوادم من الاختراق، بل يشمل أيضًا تقليل الاعتماد على أطراف خارجية، وضمان أن تكون قواعد البيانات، والشيفرة المصدرية، والصلاحيات الإدارية، والوثائق الفنية، تحت السيطرة الكاملة للمؤسسة، مع وجود فرق داخلية قادرة على إدارتها واستمرار تشغيلها.
إن استمرار الاعتماد الكامل على متعاقدين خارجيين في إدارة أنظمة حساسة يمثل خطرًا استراتيجيًا، ليس بسبب جنسية هؤلاء المتعاقدين، بل لأن أي مؤسسة مالية يجب أن تحتفظ بالسيطرة الكاملة على أصولها الرقمية، وأن تضمن عدم احتكار المعرفة التقنية خارج أسوارها.
ومن المؤسف أن بعض الإدارات التنفيذية لا تنظر إلى البيانات باعتبارها أصلًا استراتيجيًا، ولا تدرك أن فقدان السيطرة التقنية قد يؤدي إلى مخاطر تشغيلية وأمنية وقانونية يصعب معالجتها لاحقًا.
الحل ليس إغلاق الباب أمام الخبرات الأجنبية، فهي تلعب دورًا مهمًا في نقل المعرفة وبناء الأنظمة. لكن يجب أن يكون دورها مؤقتًا، وأن ينتهي بتسليم كامل للشيفرة المصدرية، وقواعد البيانات، والوثائق الفنية، وتدريب مهندسين موريتانيين قادرين على إدارة هذه الأنظمة بكفاءة واستقلالية.
إذا كانت البنوك تحرص على حماية أموال عملائها، فمن الأولى أن تحرص بنفس الدرجة على حماية بياناتهم، لأن البيانات اليوم لا تقل قيمة عن الأموال نفسها.
إن بناء سيادة رقمية حقيقية يبدأ عندما تدرك المؤسسات المالية أن البيانات الوطنية ليست مجرد ملفات في قاعدة بيانات، بل هي أمانة ومسؤولية وثقة منحها المواطن للبنك، ويجب الحفاظ عليها بكل الوسائل الممكنة.