جدول المحتويات
الدكتور سيدي محمد محمد المصطفى
مقدمة
يشكل توقيع الأحزاب السياسية الموريتانية مؤخراً على خريطة الطريق للحوار الوطني محطة فارقة في مسيرة بناء الدولة، حيث يجسد هذا الإجماع إرادة سياسية جماعية لتجاوز الخلافات والتحديات التي تعترض مسار التنمية والديمقراطية في البلاد؛ وقد توزعت محاور خريطة الطريق حول أربعة أهداف استراتيجية كبرى تتعلق: بتعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، وترقية النظام الديمقراطي، وتحسين جودة نظام الحوكمة، إلى جانب إدماج الفئات الهشة ودرء المخاطر.
ويأمل الموريتانيون أن يشكل هذا الحوار منعطفاً حقيقياً نحو إصلاح شامل ودائم، يعالج الإشكاليات البنيوية التي تعيق تطور البلاد، ويضع أسساً متينة لموريتانيا الغد، دولة القانون والمواطنة المتساوية.
إن انعقاد هذا الحوار في ظل إقرار وطني ودولي بتقدم البلاد في عدة مجالات، وتزامناً مع إطلاق محكمة خاصة لمكافحة الرق والاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، يبعث على التفاؤل، لكنه يضع أيضاً مسؤولية كبرى على عاتق المشاركين لإنجاح هذا المسار وتحويله من مجرد آلية لتخفيف الضغوط السياسية إلى أداة حقيقية للتحول المؤسسي والإصلاح الهيكلي.
ولئن كانت هذه الخريطة تمثل أرضية مشتركة للانطلاق، فإن جوهرها يتجسد في الأهداف الاستراتيجية الكبرى التي رسمتها كمنارات للعمل المستقبلي، والتي تتوزع حول خمسة محاور رئيسية سنتناولها بالتحليل والنقاش في هذا المقال.
المحور الأول: العبودية وممارساتها ورواسبها على جميع الأصعدة
تعد قضية العبودية وما خلفته من رواسب اجتماعية واقتصادية ونفسية من أخطر الملفات التي تواجه التماسك الوطني في موريتانيا؛ فبالرغم من التقدم التشريعي الذي جرم هذه الممارسة واعتبرَها جريمة ضد الإنسانية، لا تزال آثارها قائمة في بنية المجتمع.
وتشير التقديرات إلى أن نسبة من يعيشون في وضع العبودية تبلغ 2.4% من السكان، بينما يتعرض 42% من الموريتانيين لخطر الوقوع في فخ "العبودية الحديثة" بأشكالها المختلفة، كالعمل القسري والاسترقاق والخدمة المنزلية القسرية؛ وقد أفادت الحكومة بتقديم دعم مالي وتأمين صحي لضحايا الرق، وإنشاء خلية متعددة القطاعات للتحقيق في قضايا الرق، ومحكمة خاصة لمكافحة الرق والاتجار بالبشر، لتحل محل المسارات القضائية السابقة التي كانت تعاني من نقص الموارد والكفاءة، مما أدى إلى تراكم القضايا وعدم الفصل فيها لسنوات.
ولا تزال تحديات تنفيذ التشريعات قائمة، مع تدنٍ في معدلات الإدانة، وتردد بعض المسؤولين القضائيين والأمنيين في التحقيق في جرائم الرق العبودي، واتجاه بعض الأطراف إلى تسوية القضايا عبر الوساطة الاجتماعية بدلاً من القضاء.
محاور النقاش المقترحة:
1. تفعيل الآليات القضائية وتعزيز النفاذ إلى العدالة: (مثال: تفعيل المحكمة الخاصة وتوسيع نطاقها)
يُقترح بحث السبل الكفيلة بتزويد المحكمة الخاصة بالرق والاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين بالموارد البشرية والمالية الكافية، وتدريب القضاة وأعضاء النيابة على قوانين مكافحة الرق، وضمان توفير المساعدة القانونية المجانية للضحايا وتذليل العقبات التي تحول دون حصولهم على وثائقهم المدنية التي تمكنهم من رفع الدعاوى؛ كما يُنظر في إمكانية إنشاء وحدات قضائية متنقلة في المناطق الأكثر تضرراً لتقريب العدالة من المواطنين وتشجيع الضحايا على الإبلاغ دون خوف من وصمة اجتماعية.
2. معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية للرق: (مثال: برامج تمكين اقتصادي للفئات الأكثر تضرراً)
يتطلب الانتقال من المقاربة القضائية البحتة إلى استراتيجية متكاملة تشمل برامج تنموية تستهدف المجتمعات التي ما زالت تعاني من رواسب العبودية، مع التركيز على التعليم والصحة والإدماج الاقتصادي، بما يكسر دائرة التبعية ويوفر بدائل حقيقية للعيش الكريم؛ ويشمل ذلك تخصيص حصص في برامج الدعم الاجتماعي والتمويل الأصغر لهذه الفئات، مع توفير مراكز تكوين مهني في مناطق التوتر.
3. تعبئة المرجعيات الدينية والثقافية: (مثال: إشراك الأئمة والعلماء في حملات توعوية)
يُقترح إشراك الأئمة والعلماء والفاعلين التقليديين في حملات توعوية تستند إلى القيم الإسلامية السمحة التي تحرم الرق وتكرس المساواة والكرامة الإنسانية، وهو ما دعت إليه الآلية الوطنية لحقوق الإنسان؛ كما يمكن إنتاج مناهج تعليمية وأدلة توعوية موجهة للمجتمعات الريفية باللغات المحلية.
المحور الثاني: الإرث الإنساني والملفات الحقوقية العالقة
يشمل هذا المحور القضايا الإنسانية المتراكمة التي تؤثر في اللحمة الوطنية، وفي مقدمتها ملف حقوق الإنسان بكل أبعاده، من عنف ضد المرأة وزواج مبكر، إلى أوضاع المهاجرين والنازحين.
وقد تم إحراز تقدم في مجال الحماية الاجتماعية من خلال برامج دعم الفئات الهشة، وتوسيع التغطية الصحية لتشمل أكثر من 700,000 أسرة، لكن لا تزال قضايا العنف ضد المرأة والزواج المبكر واستغلال الأطفال عالقة، وقد دعت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان إلى الإسراع في اعتماد "قانون الكرامة" لحماية النساء والفتيات من العنف.
وفي مجال الهجرة، وقعت موريتانيا اتفاقية تعاون مع الاتحاد الأوروبي بقيمة 210 مليون يورو، تشمل مكافحة الاتجار بالبشر وإدارة الحدود، لكن هذه السياسات أثارت جدلاً واسعاً وتصورات سلبية تجاه المهاجرين.
محاور النقاش المقترحة:
1. تسوية الملفات الحقوقية العالقة عبر آليات انتقالية: (مثال: إنشاء هيئة للحقيقة والمصالحة)
يُقترح النقاش حول جدوى إنشاء هيئة وطنية للحقيقة والمصالحة، تتولى دراسة المظالم التاريخية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتقديم توصيات بشأن التعويضات والإصلاحات المؤسسية، بما يسهم في طي صفحة الماضي وبناء مستقبل قائم على العدالة. ويشمل ذلك تحديد جدول زمني واضح لعمل الهيئة وآليات اختيار أعضائها لضمان تمثيل جميع الأطراف.
2. إعادة النظر في سياسات الهجرة: (مثال: اتفاقية التعاون مع الاتحاد الأوروبي وتداعياتها)
يُقترح تقييم أثر اتفاقيات التعاون الدولي في مجال الهجرة، وضمان عدم تحول موريتانيا إلى مجرد حارس لحدود أوروبا، مع تطوير سياسة هجرية متوازنة تراعي حقوق المهاجرين واللاجئين، وتعالج الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية كالبطالة وضعف الخدمات، وتستفيد من خبرات المغتربين في التنمية من خلال إنشاء آليات لتشجيع الاستثمار والتحويلات المالية.
المحور الثالث: مراجعة الإطار الديمقراطي والانتخابي:
تعتمد جودة الديمقراطية وفعاليتها على نزاهة العمليات الانتخابية وحياد مؤسساتها؛ ويواجه الإطار الانتخابي الموريتاني تحديات هيكلية تثير الجدل باستمرار؛ فقد صنف مؤشر "الحرية في العالم" لعام 2025 موريتانيا بـ39 نقطة من 100، مع درجات منخفضة في عدالة القوانين الانتخابية واستقلالية مؤسسات إدارة الانتخابات.
وتبرز خلافات أساسية حول موضوع "المهام الرئاسية"، حيث تتمسك المعارضة برفض أي نقاش حول تعديل المواد الدستورية المتعلقة بتحديد عدد الولايات الرئاسية، فيما تشير تحليلات خبراء إلى وجود تشكيك في استقلالية اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، واتهامات بتوزيع المقاعد البرلمانية والبلدية مسبقاً لصالح الحزب الحاكم.
محاور النقاش المقترحة:
1. تعديل الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات لضمان حيادها: (مثال: تغيير آلية تعيين أعضائها)
يُقترح النقاش في سبل تجديد تشكيلة اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات لجعلها أكثر تمثيلاً واستقلالية، والبحث عن أفضل الممارسات الدولية في هذا المجال، لضمان الإشراف على عمليات انتخابية نزيهة وشفافة يقبل بنتائجها الجميع؛ ويشمل ذلك اعتماد آليات تعيين شفافة بالتشاور مع القوى السياسية والمجتمع المدني، ووضع معايير مهنية للعضوية.
2. تحديث القانون الانتخابي لتعزيز التمثيلية والشفافية: (مثال: فتح باب الترشح للمستقلين وإدخال التصويت الإلكتروني)
يُقترح مناقشة إصلاحات تشمل السماح للمستقلين بالترشح للانتخابات البرلمانية، وخفض سن الترشح للرئاسة إلى 35 عاماً لتمكين الشباب، واعتماد نظام انتخابي هجين يجمع بين التصويت الورقي والمعالجة الرقمية للحد من التزوير وضمان الشفافية، مع وضع ضمانات تقنية وإجرائية تحول دون التلاعب بالنتائج.
المحور الرابع: الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون:
يشكل الفساد وضعف الحوكمة عائقاً رئيسياً أمام التنمية، ويقوض ثقة المواطن في مؤسسات الدولة؛ حيث صنفت موريتانيا في المرتبة 130 عالمياً من أصل 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2023، وقد كشفت تقارير محكمة الحسابات ومؤسسات الرقابة عن أن أكثر من 30% من الصفقات العمومية تمت بالتراضي.
ويلاحظ وجود مركزية مفرطة للسلطة في يد رئيس الجمهورية، مما يضعف دور المؤسسات الدستورية الأخرى ويفضي إلى تداخل الحزب الحاكم مع أجهزة الدولة، رغم أن الحكومة أقرت استراتيجية وطنية لمكافحة الرشوة.
محاور النقاش المقترحة:
1. تعزيز استقلالية القضاء وهيئات الرقابة: (مثال: تفعيل دور محكمة الحسابات أو تأسيس ديوان للمحاسبة ومنحه صلاحيات زجرية)
يُقترح مناقشة آليات ضمان استقلالية القضاء والنيابة العامة، وتمكين هيئات الرقابة المالية من ممارسة دورها الرقابي بفعالية، مع ضمان نشر تقاريرها بشكل علني واتخاذ إجراءات قانونية بحق المتجاوزين؛ ويشمل ذلك مراجعة آليات تعيين القضاة وعزلهم، وضمان عدم تدخل السلطة التنفيذية في عمل الهيئات الرقابية.
2. رقمنة الإدارة العمومية والشفافية في المالية العامة: (مثال: تعميم نظام الصفقات العمومية الإلكتروني)
يُقترح وضع جدول زمني لتعميم رقمنة الخدمات الإدارية والصفقات العمومية، بما يحد من المحسوبية والفساد، ويحسن جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، ويرشّد الإنفاق العام، ويتيح تتبعاً أفضل للموارد العمومية؛ كما يُنظر في إنشاء منصة وطنية للمشتريات الحكومية تتيح للمواطنين متابعة الصفقات آلياً.
المحور الخامس: مكافحة عدم المساواة والتمييز وتعزيز التماسك الاجتماعي:
يمثل عدم المساواة والتمييز الإثني والطبقي أحد أعمق التحديات التي تواجه التماسك الاجتماعي في موريتانيا، حيث يعيش نحو 28% من السكان تحت خط الفقر، وتتجاوز هذه النسبة 40% في بعض مناطق الضفة.
وتعاني الفئات المهمشة تاريخياً مثل "المجتمعات المميزة على أساس الأصل والعمل" (بينهم الحراطين) من تمثيل ضعيف في مؤسسات الدولة ومن فرص اقتصادية محدودة، إضافة إلى ما تعيشه النساء من أوضاع صعبة؛ حيث لا تملك 40% منهن أي تعليم رسمي، و21% فقط منهن لديهن عمل بأجر، مما يحد من استقلاليتهن.
محاور النقاش المقترحة:
1. سياسات تمييز إيجابي لصالح الفئات المهمشة: (مثال: حصص في الوظائف العمومية وبرامج اقتصادية خاصة)
يُقترح مناقشة آليات تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص من خلال سياسات تمييز إيجابي مؤقتة تضمن تمثيلاً عادلاً للفئات المهمشة في مؤسسات الدولة، والوظائف العمومية العليا، والبرامج التنموية، مع التركيز على المناطق الأكثر فقراً؛ ويشمل ذلك وضع مؤشرات أداء واضحة لقياس أثر هذه السياسات، ومراجعتها دوريا.
2. تعزيز الحوار المجتمعي ونبذ خطاب الكراهية: (مثال: إطلاق ميثاق وطني للعيش المشترك)
يُقترح وضع إطار وطني للحوار بين مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية، والعمل على تجفيف منابع خطاب الكراهية والتمييز، وتطوير برامج تعليمية وتوعوية تكرس قيم التسامح والمواطنة المتساوية؛ ويشمل ذلك إنشاء مرصد وطني لرصد خطاب الكراهية، وتفعيل آليات الوساطة المجتمعية لحل النزاعات قبل تفاقمها.
خاتمة
يشكل الحوار الوطني الذي يُنتظر أن ينطلق قريباً، منعطفاً حاسماً في مسار الإصلاح في موريتانيا؛ ولتحقيق النجاح المنشود، يجب أن تتجاوز النقاشات منطق الاستعراض السياسي إلى آليات عملية لإنتاج توافقات حقيقية، مع ضمانات قوية لتنفيذ المخرجات؛ وتظل المحاور الخمسة الأولى - المتعلقة بالعبودية، والحقوق، والديمقراطية، والحوكمة، والتماسك الاجتماعي - جوهر التحديات التي تواجه البلاد، وهي المدخل الأساسي لإصلاح شامل ودائم يرسخ دولة القانون والمواطنة المتساوية، ويعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
إن نجاح هذا الحوار سيكون رسالة أمل لموريتانيا وللمنطقة بأسرها، بأن الحوار والتوافق هما السبيل الأوحد لبناء مستقبل أكثر إشراقاً وعدالة للجميع، وأن الإرادة السياسية متى توفرت، يمكنها تجاوز أصعب العقبات وتحويل الطموحات إلى واقع ملموس.