جدول المحتويات
منحت إشادة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي بسؤال الصحفي الهيبة ولد الشيخ سيداتي للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمره الصحفي الأخير وجاهة فتح نقاش قديم ومتجدد حول الحدود الفاصلة بين الجرأة الصحفية الحقيقية وبين ما يعرف في أدبيات الاتصال السياسي بـ"الأسئلة المزروعة" ولأول مرة ربما على المستوى المحلي
كانت إشادة عارمة لا يمكن تفويتها لا عند الموالاة ولا حتى المعارضة (الحامظة) فمن حيث الشكل بدا السؤال خارجا عن النسق التقليدي للأسئلة البروتوكولية، إذ تناول ملفات الفساد وصفقات التراضي والإنفاق العام والمحاسبة، ووضع الرئيس أمام قضايا تمثل جوهر اهتمام الرأي العام، وهو ما منح المؤتمر حيوية كان سيفقدها لولاه.
غير أن قيمة السؤال لا تقاس فقط بمضمونه، وإنما أيضا بالسياق الذي أنتجت فيه آثاره السياسية والإعلامية ففي الاتصال السياسي لا تقاس الرسائل بما يقال لحظة إطلاقها فحسب، وإنما كذلك بالطريقة التي يعاد بها استثمارها لاحقا.
ومن هذه الزاوية يكتسب ما حدث بعد المؤتمر أهمية ربما تفوق أهمية السؤال نفسه، فقد عمد الوزير الأول في مداخلته أمام أطر الحزب الحاكم إلى البناء على سؤال الهيبة ولد الشيخ سيداتي باعتباره مدخلا لتدعيم السردية الحكومية بشأن جدية الرئيس في محاربة الفساد ولم يكتف بالإشادة بالسؤال كونه نموذجا للجرأة الصحفية، بل بدا وكأنه يقدم السؤال نفسه كفرصة مثالية مكنت الرئيس من عرض موقفه وإبراز التزامه بمكافحة الفساد، حتى ليخيل للمتابع أن السؤال كان جزءا من المشهد الذي أرادت السلطة أن تؤسس عليه خطابها السياسي الجديد.
وهنا تعود بقوة فرضية "الأسئلة المزروعة" ليس بوصفها اتهاما يمكن الجزم به وإنما باعتبارها إطارا تحليليا مشروعا لفهم كيفية صناعة الرسائل السياسية، فهذه التقنية لا تعني بالضرورة وجود اتفاق مباشر بين الصحفي والسلطة، وإنما قد تعني أيضا أن السلطة تستثمر سؤالا حقيقيا ومستقلا وتعيد توظيفه في خدمة روايتها الرسمية، فتحول لحظة النقد إلى فرصة لتعزيز صورتها وعندئذ يصبح السؤال سواء كان مستقلا أو منسقا، جزءا من استراتيجية اتصالية أوسع.
فالسلطة التي تسمح بطرح سؤال شديد الحساسية تستطيع أن تقدم نفسها منفتحة على النقد، بينما تمنح المسؤول فرصة للرد بإجابات أُعدت سلفا او كانت متوقعة حسب منطق استراتيجيي العسكر، وتظهره في صورة الواثق القادر على مواجهة أصعب الأسئلة.
وبهذه الطريقة يتحول الاحتقان الشعبي إلى مادة تدار إعلاميا بدل أن يبقى عامل ضغط سياسي، ويغدو المؤتمر الصحفي مساحة لإعادة إنتاج الثقة أكثر من كونه أداة للمساءلة، وفي الوزارة الأولى من خبراء الاتصال من يجيد ويفهم هذه الأمور.
وإذا أضيف إلى ذلك أن المسؤولين عادوا لاحقا إلى السؤال نفسه واستثمروه في خطاباتهم، فإن النقاش لم يعد منصبا على مضمون السؤال وحده، بل على الوظيفة التي أداها داخل المشهد السياسي، فحين يصبح سؤال صحفي واحد حجر الأساس الذي تبنى عليه رواية حكومية كاملة عن جدية الرئيس في مكافحة الفساد، فمن الطبيعي أن يتساءل المراقبون عن حقيقة كون السؤال مجرد مبادرة صحفية ناجحة استثمرتها السلطة بذكاء، أم أنه جاء من الأصل منسجما مع احتياجات خطاب رسمي كان يبحث عن اللحظة المناسبة لإطلاقه؟
لا توجد بطبيعة الحال أدلة قاطعة تسمح بالحسم بين الفرضيتين، ولذلك يبقى الجزم بوجود تنسيق مسبق أمرا غير موضوعي. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن السلطة أحسنت توظيف السؤال سياسيا وإعلاميا وأن الطريقة التي بنيت عليها تصريحات الوزير الأول أمام كوادر الحزب الحاكم (الإنصاف) منحت فرضية الاستثمار الاتصالي قدرا أكبر من الوجاهة وهذا وحده كاف لإبقاء النقاش مفتوحا حول العلاقة المعقدة بين الصحافة والسلطة، وحول الكيفية التي يمكن أن تتحول بها لحظة مساءلة علنية إلى رافعة لتعزيز السردية الرسمية بدل أن تكون مجرد اختبار لها.