جدول المحتويات
مع انطلاق الحديث عن مشروع تنمية مدينة نواذيبو، يبدو من المناسب التوقف قليلًا عند هذه المدينة التي لا تشبه غيرها من مدن موريتانيا، ليس فقط في موقعها الجغرافي، وإنما في الدور الذي تؤديه وما تختزنه من إمكانات يمكن أن تجعل منها واحدة من أهم روافع الاقتصاد الوطني.
فنواذيبو ليست مدينة هامشية في الاقتصاد الموريتاني؛ إنها مركز لتصدير أهم صادرات البلاد، وقلب أساسي لقطاع الثروة السمكية، وموقع استراتيجي يمكن أن يلعب دورًا أكبر في الصناعة واللوجستيات والتجارة، فضلًا عن مؤهلات سياحية لم تستغل بالشكل الذي يليق بها. ومن هنا، فإن الاستثمار في نواذيبو ليس تنمية لمدينة وسكانها فحسب، بل هو استثمار في الاقتصاد الوطني نفسه، بما يمكن أن يخلقه من قيمة مضافة وفرص عمل وحركة اقتصادية.
ولعل السياحة من أكثر المجالات التي تستحق إعادة التفكير؛ فموقع المدينة البحري وخصوصيتها الجغرافية والطبيعية يمكن أن يجعلا منها وجهة سياحية مختلفة. وإذا استُغلت هذه الإمكانات ضمن رؤية ذكية ومستدامة، فقد ننجح في استقطاب جزء من العملة الصعبة التي ينفقها الموريتانيون في وجهات سياحية خارج البلاد، وتحويل جزء منها إلى نشاط اقتصادي داخل الوطن.
ومن المناسب أن تحظى مدينة بهذه الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية باهتمام عمراني وتنموي أكبر، بما يواكب مكانتها الوطنية. ومن المأمول أن تشهد بنيتها الحضرية مزيدًا من التجديد والتحديث، بما يعزز جاذبيتها ويمنحها وجهًا حضريًا يليق بمكانتها ودورها. فنواذيبو، بما تمثله من أهمية اقتصادية واستراتيجية، تستحق أن تحظى بمزيد من العناية التي تواكب ما يُنتظر منها من أدوار في المستقبل.
لذلك، فإن مشروع تنمية المدينة يجب ألا يُختزل في إصلاح الطرق أو ترميم المباني أو إنجاز مشاريع منفردة، بل ينبغي أن يكون رؤية حضرية متكاملة تجمع بين البنية التحتية والسكن والنقل والخدمات والاقتصاد والسياحة والبيئة وجودة الحياة.
وهنا أجد أن هناك جانبًا قد لا يظهر بما يكفي عند الحديث عن تنمية نواذيبو، لكنه ينبغي أن يكون في قلب أي رؤية مستقبلية للمدينة: البيئة.
فنواذيبو ذات ظروف جغرافية ومناخية شديدة الخصوصية، وموقعها وطبيعة تضاريسها يجعلانها عرضة لما يمكن وصفه بـ«قمع الرياح»؛ إذ تتسارع حركة الرياح وتتركز في بعض المناطق، فتزداد قدرتها على حمل الأتربة والرمال وإثارتها. ومع محدودية الغطاء النباتي، الذي لا يتجاوز وفق التقديرات المتداولة نحو 5% داخل نطاق داخلت نواذيبو، يصبح الغبار أحد أبرز التحديات البيئية للمدينة، بما له من آثار على جودة الهواء والصحة العامة، فضلًا عن تأثيره على المشهد الحضري.
ومحاربة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تبدأ من وسط المدينة، وإنما من مصدرها. وذلك من خلال إنشاء مصدات للرياح شمال المدينة، يتبعها حزام أخضر كثيف، ثم حزام آخر محاذٍ للمدينة، يشكل خط حماية بيئيًا وعمرانيًا يساهم في تخفيف سرعة الرياح وحجز الأتربة والرمال، ويحمي المدينة والميناء والمنشآت الاستراتيجية، بما فيها منشآت الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (SNIM). إلى جانب ذلك، ينبغي العمل على تشجير الشوارع وخصوصاً الشوارع العرضية، لتكون امتدادًا طبيعيًا للأحزمة الخضراء، تساهم في تلطيف المناخ وتحسين المشهد البصري وجودة الهواء داخل النسيج العمراني.
لكن إنشاء أحزمة خضراء في بيئة نواذيبو يطرح تحدي المياه. وهنا يمكن أن تتكامل الفكرة مع مشروع بناء جامعة نواذيبو، الذي يدخل ضمن مشروع تنمية المدينة، من خلال إنشاء محطة صغيرة لتحلية مياه البحر قريبة من الحزام الشمالي، بطاقة أولية في حدود 30 ألف لتر يوميًا، إلى جانب محطة لتوليد الكهرباء تعتمد نظامًا هجينًا يجمع بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتوفير الطاقة اللازمة للتحلية والضخ والري، ومواكبة مشروع الأحزمة الخضراء.
وتكون المحطتان ضمن منظومة مرافق مرتبطة بالجامعة في إطار شراكة مع أجهزة إدارة المدينة، بحيث تستفيد الجامعة منهما كمختبرات حية للتكوين والبحث العلمي والتطوير، بينما تساهمان في الوقت نفسه في تلبية احتياجات مشروع التنمية وحماية المدينة. وهكذا تصبح الجامعة شريكًا علميًا في المشروع.
ويمكن للجامعة أن تطور من خلالهما برامج ومختبرات متخصصة في تحلية مياه البحر، والطاقة الشمسية والريحية، والزراعة في البيئات الصحراوية والمالحة، وإعادة استخدام المياه، ومكافحة التصحر، ودراسة الرياح والغبار وجودة الهواء والهندسة البيئية.
وبذلك تتحول نواذيبو إلى مختبر حي للتنمية المستدامة؛ فالطلبة والباحثون لا يدرسون هذه التقنيات نظريًا فقط، بل يشاركون في تشغيلها وتطويرها وتقييمها، بما يربط الجامعة مباشرة بمشكلات المدينة وحاجاتها، ويفتح المجال أمام الابتكار والمقاولة وخلق فرص العمل.
ولا يمكن فصل الحديث عن تنمية نواذيبو عن ملف نظافتها. فالمدينة التي تزخر بثروات بحرية وموانئ حيوية، تظل بحاجة إلى منظومة متكاملة تشمل الجمع والفرز والتدوير والتخلص الآمن من النفايات. وإن إنشاء مرافق حديثة لمعالجة النفايات، مع تفعيل دور البلديات والشركات المتخصصة، وتعزيز الوعي البيئي، كلها عناصر لا تقل أهمية عن البنى التحتية. فالنظافة ليست رفاهية، بل عنوان الحضارة وأساس الصحة العامة، ومتى انتظمت، اكتملت صورة المدينة كمدينة عصرية جاذبة للحياة والاستثمار.
إن الحديث عن تنمية نواذيبو هو في الحقيقة حديث عن إعادة تعريف المدينة: مدينة لا تكتفي بتصدير موارد البلاد، بل تصنع قيمة مضافة أكبر منها؛ ولا تكتفي بإنتاج الثروة السمكية، بل تطور صناعاتها وخدماتها المرتبطة بالبحر؛ ولا تكتفي بموقع سياحي جميل، بل تحوله إلى نشاط اقتصادي حقيقي؛ ولا تكتفي بالتعايش مع الرياح والغبار، بل توظف العلم والتخطيط والتشجير والطاقة المتجددة وتحلية المياه لتقليل آثارهما.
ولهذا، فإن انطلاق مشروع تنمية نواذيبو يمثل فرصة تتجاوز معالجة تراكمات الماضي؛ إنها فرصة لإعادة تصور المدينة لعقود قادمة. قد تكون نواذيبو اليوم في حاجة إلى إصلاح بنيتها، لكنها في الحقيقة تستحق أكثر من ذلك بكثير: تستحق رؤية تجعل منها قطبًا اقتصاديًا وصناعيًا وسمكيًا وسياحيًا وبيئيًا حديثًا، ومدينة أكثر صحة وجمالًا وجودة للحياة.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يرافق انطلاق هذا المشروع ليس فقط: كيف نصلح نواذيبو؟ بل سؤالًا أكبر: أيَّ نواذيبو نريد أن نتركها للأجيال القادمة؟