جدول المحتويات
يشكل لقاء رئيس الجمهورية مع الولاة مناسبة يفترض أن تكون للمساءلة قبل أن تكون للاستماع، ولتقييم حصيلة العمل قبل استعراض التقارير. فالتنمية لا تقاس بعدد الاجتماعات، ولا بحجم الميزانيات المرصودة، ولا بالأرقام التي تتكرر في الخطابات الرسمية، وإنما بما يراه المواطن في محيطه اليومي من مشاريع قائمة، وخدمات متاحة، وبنية تحتية تحفظ كرامته وتيسر حياته.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين هي هذه التنمية؟
فمعظم الولايات لا تزال تعاني من غياب أبسط مقومات التنمية. طرق متهالكة أو غير مكتملة، وبنية تحتية هشة، وخدمات صحية متواضعة، ومدن تفتقد إلى أبسط المظاهر الحضرية.
أما المشاريع التي يعلن عنها بين الحين والآخر، فكثيرا ما تبقى حبرا على ورق، بينما يظل المواطن ينتظر نتائج لا تأتي.
لقد أنفقت خلال السنوات الماضية ميزانيات ضخمة تحت عناوين التنمية واللامركزية وتعزيز الخدمات، لكن الواقع يطرح سؤالا مشروعا: أين تجسدت تلك الأموال؟ وما هي الإنجازات التي يمكن أن يقف أمامها المواطن بفخر ويقول: هنا وصلت التنمية؟
فالولاية التي لا يستطيع مستشفاها تقديم أبسط الخدمات التشخيصية، ولا يستطيع سوقها الصمود أمام أول قطرة مطر، ولا تزال أحياؤها تعاني العزلة، لا يمكن الحديث فيها عن تنمية مكتملة أو حتى عن بداية مسار تنموي حقيقي.
ولعل ولاية لعصابة تقدم مثالا واضحا على هذه المفارقة. فهي ولاية ذات موقع مهم وثقل سكاني وتاريخي، لكنها لا تزال تعاني من اختلالات كبيرة. سوقها يغرق مع أول أمطار، في دليل على هشاشة البنية التحتية.
ومستشفاها يفتقر إلى جهاز السكانير، فيضطر المرضى إلى السفر مئات الكيلومترات نحو العاصمة للحصول على خدمة طبية أساسية.
كما تغيب ملتقيات الطرق، وتبقى أحياء كاملة معزولة، فيما تستمر معاناة المواطنين مع خدمات لا ترقى إلى الحد الأدنى من تطلعاتهم.
في ظل هذا الواقع، ماذا سيقول والي لعصابة في لقائه مع رئيس الجمهورية؟ هل سيحدثه عن مشاريع اكتملت وغيرت حياة الناس؟ أم سيكرر الأرقام ذاتها والوعود نفسها التي لم تجد طريقها إلى الميدان؟
إن المسؤولية لا تقاس بحسن إعداد التقارير، وإنما بقدرة المسؤول على تحويل المال العام إلى مشاريع نافعة، والخطط إلى إنجازات ملموسة، والوعود إلى واقع يلمسه المواطن.
فالتنمية ليست خطابا سياسيا، بل عقدا أخلاقيا بين الدولة والمواطن، أساسه الوفاء بالالتزامات وتحقيق العدالة في توزيع الخدمات والفرص.
إن الولايات لا تحتاج إلى المزيد من الاجتماعات إذا كانت نتائجها ستظل حبيسة الملفات.
ما تحتاج إليه هو إرادة حقيقية للمحاسبة، وتقييم صريح للأداء، وربط المسؤولية بالنتائج، حتى يصبح لكل ميزانية أثر، ولكل مشروع قيمة، ولكل مسؤول حصيلة يمكن الدفاع عنها أمام المواطنين.
وعندها فقط، سيكون للقاءات الولاة مع رئيس الجمهورية معنى حقيقي، لأنها ستناقش إنجازات صنعتها الإرادة والعمل، لا تقارير كتبتها المكاتب.