تخطى الى المحتوى

فخامة الرئيس… التعليم يستحق كلمة منكم

الدكتور عبد الله حمدي - رئيس مركز الضياء الكندي للدراسات العربية كالغري - كندا

جدول المحتويات

لقد استوقفني، كما استوقف كثيرين، غياب ملف التعليم عن المؤتمر الصحفي الأخير لفخامة رئيس الجمهورية، رغم أنه الملف الذي أكد فخامته في أكثر من مناسبة أنه يمثل المدخل الحقيقي لنهضة الأمم وبناء الإنسان.

 

فهل غاب التعليم عن الأسئلة؟ أم غُيِّب عن النقاش؟ أم أن الملفات السياسية والاقتصادية طغت على القضية التي لا ينبغي أن تتراجع إلى الصفوف الخلفية؟

 

ومن هنا أتمنى أن يصل هذا السؤال إلى فخامة رئيس الجمهورية، لا بوصفه سؤالًا سياسيًا موجَّهًا ضد الحكومة، وإنما باعتباره نداءً صادقًا من مواطنين يشعرون بقلق عميق على مستقبل أبنائهم ووطنهم.

 

هل فخامتكم راضون عن مستوى منظومتنا التعليمية؟

وإذا كان الجواب بالنفي، وهو ما توحي به نتائج الامتحانات الوطنية، وما يعكسه النقاش المجتمعي الواسع حول ضعف المخرجات التعليمية، فما الخطوة التالية؟

 

هل سنواصل الاكتفاء بإصلاحات جزئية تعالج الأعراض وتترك المرض؟ أم أننا مقبلون على إصلاح وطني شامل يعيد بناء المدرسة من جذورها؟

 

لسنا نطالب الدولة بأن تضمن النجاح لكل تلميذ، فذلك ليس ممكنًا ولا منطقيًا، لكن من حق كل طفل أن يجد مدرسة لائقة، ومعلمًا مؤهلًا، ومنهجًا متماسكًا، وبيئة تربوية آمنة، ونظام تقييم عادل، ورؤية إصلاحية واضحة تستمر سنوات، لا مواسم.

 

لقد جاءت نتائج الامتحانات الوطنية صادمة لكثير من الأسر، وربما كانت صادمة لصانع القرار أيضًا. غير أن الأمم الحية لا تخشى الصدمات، بل تحولها إلى لحظات مراجعة وانطلاق.

 

فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي اعترفت بأوجه الخلل في تعليمها، وامتلكت شجاعة إصلاحها، هي التي استطاعت أن تبني اقتصادًا قويًا ومجتمعًا متماسكًا وأجيالًا قادرة على المنافسة.

 

لقد آن الأوان لأن نغادر الأسئلة التقليدية: كم بلغت نسبة النجاح؟

إلى السؤال الأعمق: ماذا تعلم أبناؤنا فعلًا؟

 

وأن ننتقل من البحث عن المسؤول عن النتائج، إلى البحث عن الطريق الذي يقود إلى إصلاح المنظومة بأكملها.

 

فالأمم لا تبني مستقبلها بكثرة المؤتمرات الصحفية، ولا بتعدد الخطط والشعارات، وإنما تبنيه حين تجعل المدرسة في قلب مشروعها الوطني بطريقة جادة وشفافة، وحين تعتبر الاستثمار في الإنسان أولوية تعلو على كل الأولويات.

 

وإذا كان التعليم قد غاب عن أسئلة المؤتمر الصحفي، فلا ينبغي أن يغيب عن أجندة الدولة، ولا عن الحوار الوطني، ولا عن ضمير المجتمع.

 

فالقضية ليست نتيجة امتحان عابر…

وليست نسبة نجاح ترتفع عامًا وتنخفض آخر…

 

إن القضية الحقيقية هي مستقبل جيل كامل، ومستقبل وطن بأكمله.

 

ولذلك فإن التعليم، يا فخامة الرئيس، لا يستحق مجرد تعليق عابر، ولا أن يُذكر في المناسبات والخطابات فحسب؛ بل يستحق أن يكون القضية الوطنية الأولى، وأن يحظى من فخامتكم بالاهتمام والمتابعة اللذين تفرضهما خطورته وحجم الرهان عليه.

 

إن الإرث الحقيقي لأي قائد لا يُقاس فقط بما شُيّد في عهده من طرق ومنشآت فقط، وإنما بالبصمة التي يتركها في الإنسان والمجتمع، وبما يؤسسه من إصلاحات تستمر آثارها بعد رحيله، ويتوارث ثمارها جيل بعد جيل. وأي إرث أعظم من أن يُقال إن عهده شهد نهضة حقيقية للتعليم، واستعاد فيه المعلم مكانته، والمدرسة هيبتها، والتلميذ حقه في تعليم جيد، وأصبح الاستثمار في الإنسان أولوية وطنية لا تنازعها أولوية؟

 

إن الأمر جلل، يا فخامة الرئيس، ولا يحتمل الانتظار أو المعالجة بالمسكنات. وهو يتطلب متابعة رئاسية جادة وميدانية، تتجاوز التقارير المكتبية إلى النزول إلى الميدان، والقيام بزيارات مفاجئة للمدارس، للوقوف عن قرب على واقع المؤسسات التعليمية، وتفقد البنية التحتية، وظروف التلاميذ والمعلمين، وأوضاع الطواقم الإدارية والتربوية، والاستماع مباشرة إلى العاملين والآباء والتلاميذ.

 

فربما تكشف زيارة ميدانية واحدة ما لا تكشفه عشرات التقارير، وربما يضع الرئيس يده في مدرسة متواضعة على مكمن الخلل الحقيقي، ويستمع إلى معلم أو تلميذ فيعرف من الواقع ما قد لا يصل إليه عبر القنوات الإدارية المعتادة.

 

يا فخامة الرئيس، قد تُنسى كثير من القرارات، وقد تتغير السياسات والبرامج، لكن جيلاً متعلماً، واثقاً من نفسه، معتزاً بهويته، قادراً على التفكير والإنتاج والمنافسة، سيظل شاهداً على أن التعليم كان في عهدكم قضية وطن، لا مجرد ملف من ملفات الدولة.

 

وخلاصة القول: إن التعليم لا يُصلح بقرارات موسمية، ولا بحلول ظرفية، ولا بمبادرات متفرقة مهما كانت أهميتها، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني، يفصل التعليم عن السياسة، طويل النفس، واضح الأهداف، محدد الأولويات، قابل للقياس والتقويم، تتكامل فيه إرادة الدولة مع خبرة المختصين، وتشارك فيه الأسرة، ويستعيد من خلاله المجتمع ثقته في المدرسة والمعلم.

 

إننا لا نريد إصلاحاً للتعليم يُقاس بعمر حكومة أو مأمورية لأننا نؤكد على ضرورة فصل التعليم عن السياسة بحيث لا يتأثر بموالاة ولا معارضة. إننا نريد إصلاحا يشكل مشروعاً وطنياً تتوارثه الأجيال، وتتعاقب الحكومات على خدمته وتطويره، لأن بناء الإنسان هو أطول استثمار عمراً، وأعمق أثراً، وأبقى إرثاً.

الأحدث