جدول المحتويات
ليس الحوار الوطني فضيلة في ذاته، ولا غاية يُحتفى بها لمجرد انعقادها، وإنما هو وسيلة سياسية راقية تُقاس قيمتها بقدرتها على إنتاج حلول واقعية، وترميم الثقة، وتعزيز تماسك الدولة. أما إذا تحول إلى مجرد مناسبة لتبادل الخطابات، أو منصة لتصفية الحسابات، أو ميدانا للمزايدات السياسية، فإنه يفقد مبرر وجوده، بل قد يصبح عبئًا على الوطن بدل أن يكون سبيلًا لإنقاذه.
ومن هنا، فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق السلطة، ليس فقط في تنظيم الحوار، وإنما في رسم حدوده الوطنية، وصيانة أهدافه المعلنة، وضمان ألا تنحرف مخرجاته عن مقتضيات المصلحة العليا للدولة. فنجاح الحوار لا يقاس بعدد المشاركين فيه، وإنما بسلامة النتائج التي يفضي إليها، وبقدرته على تحويل التوافق السياسي إلى استقرار دائم، لا إلى أزمة جديدة أكثر تعقيدًا.
وأول شروط النجاح هو الاتفاق على أرضية وطنية مشتركة، تكون الدولة فيها هي المرجعية العليا، والدستور هو الإطار الناظم، والوحدة الوطنية هي السقف الذي لا يجوز تجاوزه. فالحوار الذي يبدأ من نقاط الخلاف القصوى قبل تثبيت المشتركات، لا يبني الثقة، وإنما يوسع دوائر الارتياب ويضاعف احتمالات الفشل.
ولذلك ينبغي أن يكون الدافع إلى الحوار وطنيًا خالصًا، بعيدًا عن حسابات الربح والخسارة السياسية. فالوطن لا يدخل إلى الحوار ليهزم فريقًا أو ينتصر لآخر، وإنما يدخل إليه ليعيد بناء جسور الثقة بين مكوناته، ويجعل من الاختلاف مصدرًا للإثراء لا سببًا للانقسام.
وفيما يتعلق بملف حقوق الإنسان، فإن الحكمة السياسية تقتضي أن تتجه المقاربة إلى معالجة الجذور قبل الفروع، والأسباب قبل النتائج. فالمجتمعات لا تتجاوز مآسيها بإعادة إنتاجها في الخطاب السياسي، وإنما بفهم ظروفها، واستخلاص دروسها، وإقامة عدالة تُنصف دون أن تنتقم، وتُصلح دون أن تُعمّق الجراح، وتُرسخ المصالحة بوصفها مشروعًا للمستقبل لا اجترارًا للماضي.
وفي الوقت ذاته، ينبغي أن يظل جوهر الدستور بمنئى عن التجاذبات. فالدساتير ليست أوراقًا تفاوضية، وإنما تمثل العقد الجامع الذي تستند إليه شرعية الدولة واستقرار مؤسساتها. والإصلاح الحقيقي لا يكون بهدم الثوابت، وإنما بتطوير الممارسة في إطارها.
ولا يقل خطرًا عن ذلك، إفساح المجال أمام الانتهازية السياسية، حيث يسعى البعض إلى رفع سقف المطالب إلى الحد الذي يستحيل معه الوصول إلى توافق، أملاً في تحقيق مكاسب عجز عن تحقيقها في صناديق الاقتراع. فالحوار الوطني ليس وسيلة للالتفاف على الإرادة العامة، ولا أداة لفرض موازين قوى جديدة خارج الأطر الديمقراطية.
كما أن من واجب الجميع إغلاق الباب أمام كل خطاب انفصالي أو شرائحي يحاول استغلال أجواء الحوار لإحداث شرخ بين أبناء الوطن الواحد. فالتنوع الاجتماعي والثقافي عنصر قوة عندما يُدار في إطار المواطنة، لكنه يتحول إلى مصدر خطر عندما يصبح أداة للتحريض وإحياء الولاءات الضيقة على حساب الانتماء الوطني.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى هبة وطنية يقودها الساسة المسؤولون، والمثقفون، وأصحاب الرأي، والنخب الوطنية، دفاعًا عن فلسفة الحوار وأهدافه، ورفضًا لكل محاولة لحرفه عن مساره. فالمعركة الحقيقية ليست بين أطراف الحوار، وإنما بين مشروع يريد بناء الدولة على أساس المواطنة والعدالة، ومشروع آخر يعيش على إذكاء التناقضات، ويتغذى على الأزمات، ويستثمر في الانقسامات الإثنية والشرائحية، لأنها تمثل بالنسبة إليه رأس المال السياسي الوحيد.
إن التاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار عندما تختلف نخبها، وإنما عندما تعجز عن وضع حدود فاصلة بين الاختلاف المشروع، وبين العبث بأسس الدولة. ولذلك فإن اللحظة الراهنة تتطلب قدرًا عاليًا من المسؤولية، لأن الانزلاق إلى نهايات كارثية لا يبدأ بخطوة كبيرة، بل يبدأ غالبًا بالتساهل مع خطاب صغير، أو بالتغاضي عن مطلب يبدو عابرًا، ثم لا يلبث أن يتحول إلى أزمة وطنية يصعب احتواؤها.
إن الحوار الوطني، إذا أُحسن الإعداد له، وضُبطت غاياته، وحُميت ثوابته، سيكون محطة لتجديد العقد الوطني وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. أما إذا تُرك رهينة للمزايدات والانتهازية والمشاريع الفئوية، فإنه لن يكون حوارًا يؤسس للمستقبل، بل مدخلًا إلى مستقبل لا يريده أي وطني مخلص.