جدول المحتويات
يُرجع مراقبون بزوغ نجم الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما كواحد من أمهر السياسيين في فن الخَطَابة إلى إحدى ليالي صيف 2004، عندما وقف أمام تجمع للحزب الديمقراطي في بوسطن، لم يكن حينها معروفا خارج دائرته الانتخابية لكنه كان يطمح للفوز بمقعد في مجلس الشيوخ، وما إن انتهى من كلمته حتى انتقل اسمه من الهامش إلى قلب المشهد السياسي الأمريكي. يقول الباحث في الخطابات الرئاسية جون مورفي، وهو أستاذ لمادة الاتصال بجامعة إلينوي قضى فترة طويلة من مسيرته المهنية يدرس خطابات كينيدي وكلينتون وبوش، يقول إن قدرة أوباما على كتابة وإلقاء الخطابات لعبت دورا حاسما في صعوده المذهل، وفي فوزه بالرئاسة بعد أربع سنوات فقط من خطاب 2004 الشهير الذي لفت إليه الأنظار على المستوى الوطني.
يجمع كثير من المراقبين على أن أوباما لم يولد بهذه الموهبة وحتى عندما كان شابا يعمل مع المجتمع المدني في شيكاغو، لم يكن يُنظر إليه كصاحب موهبة خطابية استثنائية، حيث يقول من عملوا معه في تلك المرحلة حسب اقتباسات من حديثهم منشورة في الإعلام الأمريكي، يقولون إن أوباما كان يستخدم مفردات معقدة مضيفين أنه لم يكن جيدا بالمرة في تلك الفترة، إذ كان يجيب على الأسئلة بإجابات طويلة ومملة ومثقلة بالتفاصيل، ومع ذلك فإن كلما سبق يؤكد أن مَلَكَة الخطابة لدى أوباما كانت ثمرة لعمل دؤوب وتدريب متواصل وتعلّم من نماذج سابقة وهو الأمر الذي تحدث عنه أوباما نفسه عندما كشف عن تأثره العميق بالإرث الخطابي لمارتن لوثر كينغ، الزعيم الحقوقي الراحل، مضيفا أنه استعار من إيقاعه ونبرته وحضوره الجسدي معتمدا عليه في تشكيل أسلوبه لاحقا، كما أن مجلة "تايم" نقلت عنه عام 2011 حديثا عن أسلوبه في التواصل، وعن عادته في مشاهدة تسجيلات لسياسيين آخرين، من بينهم بيل كلينتون، ليتعلم من طريقة إلقائهم وتفاعلهم مع الجمهور.
كان أوباما معروفا بأسلوبه العملي المباشر في كتابة خطاباته، إذ كان يبدأ العملية بنفسه، مدوّنا الأفكار التي يريد إيصالها، حتى أنه قد يعمل على الخطاب الواحد لأشهر، وسط قناعة راسخة بأن الفكرة قد تكون معقدة، لكن الرسالة يجب أن تبقى بسيطة وواضحة وهو المفهوم الذي ضمّنه شعار حملته الرئاسية عام 2008 "نعم نستطيع" فبساطة هذه العبارة هو ما جعلها فعّالة، إذ اختزلت مشروعا سياسيا كاملا في كلمات معدودة قابلة للترديد والحفظ والانتشار.
يضع الباحث جون مورفي أوباما في نفس الخانة مع جون كينيدي ومارتن لوثر كينغ؛ فهو مثلهما كما يقول، خطيب "رسمي" بالمعنى الدقيق للكلمة حيث يُلقي خطابات مكتملة البناء، لا أحاديث شبه عفوية كما يفعل رونالد ريغان. ومن سمات هذا النمط "الرسمي" الذي يتقنه أوباما، بحسب مورفي، حبه الشديد للتوازن اللغوي والإيقاع في نصوصه، وميله المتكرر إلى استحضار قدسية إعلان الاستقلال والدستور وهو ما فعله كينيدي ومارتن لوثر كينغ من قبله أيضا.
كما لاحظ مورفي أن مهارات أوباما الخطابية سمحت له، وهو لا يزال مرشحا، بأن يبدو رئاسيا بالفعل، لأنه كان يتحدث كما يتحدث الرؤساء، والخطابة عند أوباما لم تكن زخرفة جمالية منفصلة عن السياسة، بل كانت أداة استراتيجية مركزية في صناعة حملته وصورته العامة.
يتفق الباحثون ممن قاموا بتحليل خطابات أوباما، على مجموعة من الأدوات التي يرون أنها تشكل بصمته الأسلوبية الخاصة، مثل السرد الشخصي كالتركيز على القصص والتجارب الشخصية، سواء كانت عنه هو أو قصص مواطنين عاديين التقاهم في حملاته، يسهم هذا الأسلوب في تحويل القضايا السياسية إلى حكايات إنسانية ملموسة يسهل على المستمع التفاعل معها. من أدواته أيضا الاستعارة والتشبيه البليغ حيث تكشف الدراسات اللغوية حول خطابات حملته الانتخابية أن الاستعارات والعبارات الجاهزة المشحونة عاطفيا تحتل مكانا أساسيا في أسلوبه، وأنها ليست متنوعة فحسب، بل متكررة عبر خطابات مختلفة، ما يعزز أثرها التراكمي في وعي الجمهور ويجعلها أشبه بشعارات ذهنية يسهل تذكرها، كما يوظّف بناء الجمل على التضاد ليخلق شعورا بالخيار الأخلاقي الواضح.
ومع هذا فإن موهبة أوباما الخطابية لم تكن يوما محل إجماع، فمنذ حملته الانتخابية الأولى عام 2008، وتعليق مثل "مجرد خطيب مفوه" يطارده وأن فصاحته قناع يخفي وراءه كثيرا من غياب الخبرة وأنه أخفق في تقديم سردية مقنعة توضح للأمريكيين ما الذي حدث في الأزمة الاقتصادية، ولماذا حدث، وكيف يمكن الخروج منها؛ كما علق محللون بالقول إن الأمريكيين كانوا بحاجة إلى رئيس يمنحهم إحساسا بأنه يفهم معاناتهم وسيحاسب المتسببين فيها.
ورغم ذلك، يبقى باراك أوباما، في نهاية المطاف أكبر دليل على أن الخطابة السياسية، حين تجتمع فيها الموهبة المصقولة بالتدريب مع حس درامي بتوقيت اللحظة ومقتضياتها، يمكن أن تتحول من مجرد أداة إقناع إلى قوة تصنع التاريخ فعلا. فمن قاعة مؤتمر في بوسطن عام 2004 مرورا بما تبعها من خطابات، رسم أوباما مسارا خطابيا متكامل الملامح، يبدأ بالسرد الشخصي مستخدما الاستعارة ومستحضرا التراث ويحيل في أحيان كثيرة إلى لحظة من النشوة الجماعية تخطف عيون وقلوب المتفرجين، وهو تعلق بالرجل بقي مستمرا، فحتى بعد تركه الرئاسة بسنوات مازال الأمريكيون يستحضرون خطاباته وحضوره إلى اليوم ولعل أبرز هذه المحطات التي سلطت الضوء من جديد على مَلَكَة الخَطَابة لدى أوباما، هو انتشار مقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي تتضمن مقارنة ساخرة بين خطابه الذي أعلن فيه مقتل أسامة بن لادن وخطاب ترامب الخاص بالإعلان عن مقتل البغدادي.