جدول المحتويات
الأخبار (كنكوصة – ولاية العصابة) - تخون الذاكرة الحمال أحمد ولد محمود في استحضار بدايات مهنته، فلا يستطيع أن يحدد لها تاريخا، لكنه يتذكر أنه بدأها في نواكشوط، قبل أن يمتلك حمارا أهداه عربة، وانتقل للعمل به حمالا في سوق مقاطعة كنكوصة بولاية العصابة، بدلا من عاصمة البلاد، ناقلا أمتعة الناس إلى ضفة نهر المدينة المجاورة للسوق، حيث تتولى زوارق العبور إكمال الرحلة.
يهندس ولد محمود يومه بدقة، ويقسم سنته إلى شطرين، وفق توقيته الشخصي وحسابه الفلكي الذي تمليه عليه علاقة وثيقة بالريف، وارتباط عاطفي به؛ ففي غير موسم الخريف، يبدأ يومه بإعداد "الأتاي"، ثم يجهز حماره للعمل، ويتوجه إلى السوق ما بين الثامنة والتاسعة صباحا، ليستمر في العمل حتى السادسة مساء.
يضيف ولد محمود في حديث لفريق من وكالة الأخبار المستقلة، أنه ما إن يقترب العصر حتى يبدأ الاستعداد للعودة إلى المنزل، إلا إذا استمر توافد الزبائن على السوق، وكثر الطلب عليه، فيواصل العمل حتى أذان المغرب، ليعود بصافي ربح يبلغ نحو ثلاثة آلاف أوقية قديمة، بعد خصم مصروف الغداء، وما يشتريه لأسرته، وما ينفقه على حماره.
الزراعة.. الوجه الآخر للحمال
يقول ولد محمود، بابتسامة عريضة تشي بالرضا، إن الشطر الآخر من سنته يبدأ مع بوادر الخريف ونزول المطر، إذ يسابق زخاته عائدا إلى باديته الصغيرة "عين التيس"، الواقعة على بعد نحو 50 كيلومترا من كنكوصة، التي يتنقل عليها عبر حماره الذي يرافقه في أعماله الزراعية.
وخلال الحديث، يسأل الحمال المزارع فريق الوكالة إن كانوا يعرفون معنى "التيس" الذي يقصد، قبل أن يوضح أن المقصود به - عندهم - الأسد، لأن البادية تضم عينا جارية لا تنضب مياهها خلال مختلف فصول السنة، كان الأسد يقيم بقربها، فسميت "عين التيس"، وهي رواية متداولة بين سكان المنطقة.
وينتظر ولد محمود - وقت تسجيل المقابلة - وصول أموال من أبنائه تعينه على الترحل إلى مزرعته، ليبدأ موسمه الزراعي الذي يفضله على غيره، لأنه يوفر له معظم حاجاته الغذائية، فلا يشتري سوى الزيت والأرز، مطالبا بالمناسبة بمزيد من الاهتمام بالمزارعين، وتوفير احتياجاتهم.
الحمار.. رفيق المهنتين..
في البادية ينعم الحمار بحريته الكاملة، إذ يفك عنه القيد، ويرافق محمود في مختلف أعماله، ومهامه، رغم أنه يستهلك يوميا ملء كفَّي يد من الزرع، بقيمة ألف أوقية قديمة، وكيلوغرام من العلف بنحو 400 أوقية قديمة، فضلا عن الكرتون الذي يقطع له ليتغذى به.
وبعد انتهاء موسم الخريف، يعود الاثنان إلى كنكوصة، حيث يستأنف الحمار يومياته الأقل حرية، والأكثر عملا، إذ يقيد رفقة عربته يوميا بعد نهاية دوام العمل أمام منزل ولد محمود، بعد أن أهدت له حياة الريف حرية كاملة مؤقتة.
ومع نهاية كل موسم خريف يستأنف أحمد وحماره عملهما في سوق كنكوصة، وأعينهم معلقة على أول زخات المطر إيذانا بموسم أطار جديدة للعودة إلى البادية، حيث يستعيدان حريتهما وروحيهما قبل أن تفرض عليهما الظروف مع تراجع الغطاء النباتي العودة إلى المدينة مجددا.