جدول المحتويات
الأخبار (نواكشوط) - ما إن بدأ مشاركو الباكلوريا بمدرسة مقاطعة الميناء رقم: 3 بولاية نواكشوط الجنوبية، يخرجون من اليوم الأول من امتحان الباكلوريا، حتى شرعوا في التحلق حول شاب يُجمعون على مناداته بـ"الأستاذ" يُدعى محمد سراج الدين.
كان يقف أمام المدرسة، فيما ينتشر حوله تلاميذ ومرافقون لبعض المشاركين، يهمسون باسمه لمن لا يعرفه، ويتداولون سيرته، ويذكرونه بتقدير، ويؤكدون بما يشبه الإجماع، أن له فضلا في وصول جل تلاميذ المقاطعة إلى مرحلة امتحان الباكلوريا.
يقول أحدهم، بنبرة لا تخلو من الامتنان: لهذا الأستاذ فضل على الجميع، الجميع بلا استثناء مدينون له، درسنا جماعات وفرادى، وناقش معنا مختلف المواد، ومنحنا جل وقته، ونثر لنا تجربته، ومكننا من خبرته.
فريق من وكالة الأخبار المستقلة، حاور الطالب الجامعي "الأستاذ" سراج الدين، لاستجلاء قصته، ومعرفة تفاصيل علاقته بالتلاميذ، وسر إحاطة الجمهور به، وإغراقه بعبارات الامتنان والثناء والاعتراف بجميله.
الباكلوريا والهاتف.. الشرارة الأولى..
يقول الطالب الجامعي محمد سراج الدين الدارس لتخصص اللغة الإنجليزية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط، إنه "كابد كثيرا، وعانى كثيرا، وواجه مشكلات عديدة"، في مقدمتها أنه ينتمي لـ "طبقة لا يجد فيها الإنسان من يسانده إلا نفسه".
ويروي أنه في أحد أيام الباكلوريا عام 2023 كان جالسا يفكر في مستقبله حين خطر بباله أن يبحث عن وسيلة تعينه على النجاح، فقرر أن يتعلم اللغة الإنجليزية عبر هاتفه، رغم البداية "الصعبة" وتعليقات زملائه القائلة إن التعلم عبر الهاتف ضرب من العبث.
يضيف سراج الدين أنه واصل التعلم حتى نجح في الباكلوريا في العام نفسه من "مدرسة المقبرة" بالميناء رغم "الظروف غير السهلة وكذا العقبات" التي تعترض طريق مواصلة الدراسة، مؤكدا أن الإنسان إذا آمن بالله، وآمن بقدرته على تحقيق طموحاته، هان عليه السعي.
يؤكد سراج الدين أن الإيمان يترسخ ويتعزز حين يدرك المرء أن الآمال تُكتسب بالعمل، إن لم تنل بالفطرة، وأن أمامه خيارين: إما أن يبقى أسير "رُكامه" أو يحاول تغيير واقعه.
"القدوة.. وراسم البسمة"
يردف سراج الدين أنه يسعى "ليرسم البسمة على وجوه الناس، ويكون قدوة لهم، وينجح في حياته"، لذلك واصل مساره الجامعي، وانخرط في التدريس متطوعا لصالح عدد من الهيئات والمنظمات.
يشير إلى أنه خلال تعليمه التطوعي كان يستثمر العطلة الصيفية في التعلم، بين المحظرة، وتنمية المهارات، وتقوية مستواه في اللغة الإنجليزية، وكل ما من شأنه أن يطوّر قدراته.
بعد ذلك، افتتح مشروعا تعليميا خاصا به، تولى الإشراف عليه، وبدأ يستقبل التلاميذ الذين يقول إنهم لمسوا مع مرور الوقت تحسنا في مستوياتهم، وثقة أكبر بأنفسهم، واستعدادا أفضل لخوض غمار الامتحانات.
وفي سياق حديثه، يوضح سراج الدين أنه يدرّس مادتي الفلسفة واللغة الإنجليزية أساسا، مع قدرته على تدريس مواد أخرى، وإيصال المعلومات إلى التلاميذ بأسلوب مبسط، وفق تعبيره.
الميناء بعيون إيجابية
وخلال حديثه، يفخر سراج الدين بأنه ابن مقاطعة الميناء، لافتا إلى أنه كثيرا ما يسمع عنها صورة نمطية تربطها بانحراف شبابها، وهو ما يرفضه جملة وتفصيلا.
ويصف سراج الدين خلال حديثه للأخبار تلك الصورة بـ"الباطلة والمشوهة"، مؤكدا أن الميناء تزخر بطاقات ونماذج لو خرجت إلى العلن لتبدلت الصورة الراسخة في أذهان كثيرين عنها.
وينصح سراج الدين الشباب بالإقبال على التعلم، مؤكدا أن من يصبر على طلب العلم، ويتحمل مشقته، سيجني ثمرة تعبه، مهما كانت ظروفه، داعيا إلى الاستفادة من المنصات التعليمية التي تقدم محتوى نافعا لطالبي العلم.
ويقول بنبرة تطبعها الجدية إن الأمم تُبنى بالعلم، كما تُبنى شخصية الفرد ومستقبله، وإن العلم ينبغي أن يكون منهج حياة، لأن من لم يرتقِ به لن يرتقي بغيره.
ويطمح سراج الدين إلى أن يصبح كاتب ضبط أو مترجما، ويؤكد أن تحقيق الأحلام يظل ممكنا، بمعونة الله، ثم ببذل الجهد، لأن كل حلم يتحقق بالجهود المضنية، والتضحيات المتعددة، وفق حديثه.