جدول المحتويات
لم يعد ما يحدث في الساحل الإفريقي مجرد إعادة توزيع للنفوذ الدولي، بل تحوّل إلى سباق مفتوح على دول هشة تبحث عن الاستقرار بأي ثمن. فخروج فرنسا لم يؤد إلى استعادة السيادة كما روج بل كشف فراغا استراتيجيا تتنافس على ملئه قوى كبرى، لكل منها حساباتها الخاصة. وبين الصين التي تشتري النفوذ بهدوء، وروسيا التي تؤمن الأنظمة دون بناء الدول، والولايات المتحدة التي تتردد تحت ضغط أولوياتها العالمية، يجد الساحل نفسه أمام معادلة قاسية؛ تعدد الشركاء لا يعني بالضرورة وجود حلول، بل قد يكون مجرد تعدد في أشكال الأزمة.
أولا: الصين – شريك بلا شروط…
تتقاطع مصالح الأنظمة العسكرية الجديدة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر مع الصين لسبب بسيط وموجع في آن واحد بكين لا تسأل عن شرعية الحكم ولا عن حقوق الإنسان ولا عن الديمقراطية سؤالها الوحيد هو: أين العقود؟ وأين الموارد؟
هذا الموقف يجعل الصين "شريكا مثاليا للأنظمة قصيرة الأفق التي تبحث عن شرعية دولية سريعة واستثمارات لا تثقل عليها بشروط سياسية. لكن في العمق، علاقة الصين بالساحل ليست شراكة تنموية بل "أوميبرازول" جيوسياسي: تأثير سريع ومريح للأعراض (ضخ استثمارات، تمويل مشاريع بنية تحتية، عدم انتقاد الحكام)، لكن دون أي علاج للجذور (بناء اقتصاد منتج، نقل التكنولوجيا، تنمية صناعية محلية)
التكاليف الخفية:
- التمويل الصيني غالبا مشروط ضمنيا بالسيطرة على المشاريع،
- الديون تتحول إلى أداة نفوذ طويل الأمد،
- الاقتصاد المحلي يبقى تابعا لا مُنتجا.
الصين في الساحل ليست منقذا ولا مستعمرا جديدا. إنها صيدلي ماهر يصف دواء مسكنا لألم الحكم غير الشرعي، لكنه لا يعالج المرض. والثمن سيادة تباع بالتقسيط، واقتصاد يُستنزف بفائدة، ومستقبل يرهن لعقود قادمة.
ثانيًا: روسيا – نفوذ أمني سريع… واقتصاد متعثر
تحاول روسيا ملء الفراغ الذي تركته القوى الغربية وقد نجحت فعليا في التغلغل أمنيا عبر دعم الأنظمة العسكرية (تدريب، استشارات، شركات أمنية خاصة). لكن المفارقة واضحة:
- حضور قوي في المجال العسكري مقابل ضعف فادح في الاستثمار والتنمية،
- حتى في قطاع الموارد، تظل الهيمنة الصينية هي المسيطرة "مثل الليثيوم في مالي"، بينما الامتيازات الروسية "مثل اليورانيوم" محدودة ولم تتحول إلى نفوذ اقتصادي شامل.
روسيا تؤمن الأنظمة لكنها لا تبني اقتصادات.
ثالثا: الولايات المتحدة – ارتباك استراتيجي بين الشرق الأوسط والساحل
يعكس النهج الأمريكي تجاه الساحل الإفريقي، تناقضا أعمق مما يبدو على السطح. فالأمر ليس مجرد تفكيك أدوات القوة الناعمة أو تراجع مؤقت، بل هو أزمة استراتيجية متعددة الأبعاد تتداخل فيها حسابات السياسة الداخلية والتنافس مع القوى الكبرى وإعادة تعريف العدو ومصالح الولايات المتحدة الأساسية.
انسحاب غير مسبوق واعتراف بالعجز
في سبتمبر 2024، أكملت الولايات المتحدة انسحاب قواتها من النيجر، منهية بذلك وجودا عسكريا كان يشكل العمود الفقري لمراقبة الجماعات الجهادية في منطقة الساحل بأكملها. فالولايات المتحدة غارقة في توترات الشرق الأوسط بشكل يعيد تشكيل قدراتها على التركيز الاستراتيجي: حيث ترى أن استقرار الشرق الأوسط وحماية الملاحة في باب المندب وهرمز هو الأولوية الأولى. الساحل رغم كونه بؤرة إرهاب يصنف كأزمة إقليمية تتحمل أوروبا تبعاتها الأساسية.
فلن ترسل أمريكا جيوشها لتحل محل فرنسا في مواجهة جهاديين في صحراء لا تهدد شواطئها، طالما أن إيران واليمن يشعلون المنطقة سيبقى الساحل في "غرفة الانتظار" الاستراتيجية الأمريكية.
رابعا: الجزائر – فقدان التحكم في العمق الاستراتيجي
بالنسبة للجزائر ما يحدث في الساحل ليس بعيدا بل يمس أمنها القومي مباشرة. لكنها تواجه ثلاث مشكلات حقيقية:
1. فقدان الثقة مع الأنظمة العسكرية الجديدة في الساحل،
2. اختلاف المقاربة (سياسية جزائرية مقابل عسكرية متشددة في الساحل)،
3. تراجع القدرة على فرض دور الوسيط.
التوترات الأخيرة بين الجزائر ومالي وحلفائها مؤشر واضح على تآكل النفوذ الجزائري في منطقته الخلفية التقليدية. ويتجلى هذا التراجع أيضًا في التحولات التدريجية في مواقف بعض دول الساحل من قضية الصحراء الغربية، حيث لم يعد الدعم التقليدي للأطروحة التي تتبناها الجزائر ثابتًا، مقابل بروز إشارات متزايدة على تقارب مع الطرح الذي يدعمه المغرب، خاصة ما يتعلق بخيار الحكم الذاتي كحل واقعي للنزاع. ويأتي ذلك في ظل تصعيد ميداني ودبلوماسي متزايد، تغذيه اتهامات متبادلة، من بينها قضية الطائرة المسيّرة المالية التي تقول باماكو إن الدفاعات الجزائرية أسقطتها، وهو ما يعكس مستوى غير مسبوق من التوتر ويؤشر على انتقال الخلاف من المجال السياسي إلى احتكاك أمني مباشر.
خامسًا: موريتانيا… معادلة التوازن الصعب
تعتمد موريتانيا مقاربة أمنية – سياسية قائمة على تقليل المخاطر لا على توسيع النفوذ. وقد تشكل هذا النموذج كرد فعل لبيئة إقليمية تتسم بـ:
- هشاشة الدولة في مالي،
- انتشار الفاعلين المسلحين،
- تشابك الأجندات الدولية في منطقة الساحل.
النتيجة: تحول الأمن إلى وظيفة دفاعية بحتة هدفها الأساسي منع انتقال التهديدات إلى الداخل الموريتاني.
وقد أثبتت موريتانيا قدرتها على:
- تأمين حدودها،
- منع ظهور فراغات داخلية قابلة للاختراق،
- حياد مرن ومنخفض التكلفة.
تستند السياسة الخارجية الموريتانية إلى مبدأ عملي هو: عدم التحول إلى طرف في أي استقطاب إقليمي أو دولي حاد، ويتجلى ذلك في:
- استمرار العلاقات مع القوى الغربية،
- إقامة علاقات اقتصادية مع الصين،
- فتح قنوات حوار حذرة مع روسيا،
- تجنب القطيعة مع الأنظمة العسكرية في الساحل.
تحقق هذه السياسة هدفين:
- تقليل احتمالات المواجهة المباشرة،
- الحفاظ على هامش مناورة دبلوماسي.
مالي: العامل الأكثر تأثيرا
تشكّل مالي العامل الأكثر تأثيرا في الأمن الموريتاني بسبب:
- طول الحدود المشتركة،
- التشابك الاجتماعي عبر المناطق الحدودية،
- التعقد المشهد الداخلي في مالي.
النتيجة: لا تستطيع موريتانيا فصل نفسها عن الأزمة بل فقط احتواءها على حدودها بقدر كبير من المرونة والحكمة لأن: استقرار موريتانيا مشروط بعدم انهيار جارتها مالي بشكل كامل. وإلا فإن الانهيار سيؤدي إلى:
- ضغط أمني متزايد،
- توسع عمليات التسلل،
- نزوح جماعي يشكل ضغطا إضافيا في ظل أزمة الطاقة،
- ارتفاع تكلفة الأمن الداخلي.
ما يحدث في الساحل ليس تحررًا من النفوذ الغربي كما يروج له أحيانا، بل هو استبدال نفوذ بآخر:
- فرنسا تراجعت،
- الصين تستثمر (بثمن)،
- روسيا تؤمّن (دون بناء اقتصادي)،
- أمريكا تتردد.
لكن النتيجة على الأرض واحدة: الإرهاب منتشر، والجماعات المتطرفة تملأ الفراغ الأمني، والموارد تستخرج، والاستقرار مؤقت، والمواطن العادي هو الخاسر الأكبر.