جدول المحتويات
ما وراء النص؟
الحفر في مناطق الشرق الجزائري وإخراج ما بها من ذكريات عبرت لـ"أوغسطينوس" ولن تعود أبدا، بعدما أصبح الشمال الإفريقي مسلما، ولم يتبق إلا أفارقة مسيحيون ومستخفون بنصرانيتهم بعدما بدلوا إسلامهم بها لدواع لا علاقة لها بالإقناع والرضا - كل ذلك يجعلنا نريب في زيارة البابا لعنابة وما حولها، خاصة وأن الكنيسة لا يؤمها إلى قلة من الأجانب. وإن كان ولا بد أن يزور فله الرئاسة للعلاقات الدبلوماسية والمسجد الأعظم ليسمع كلام الله، وإن شاؤوا فمعهدا للحوار والتفاهم. وكان على أهلنا في عنابة أن يعبروا عن رأيهم في هذه الزيارة بجرأة، لأن "السكوت في معرض الحاجة بيان".
إن الحوار هو مفتاح التعايش بسلام بين الحضارات، ولكن إلى متى تظل البابوية تعتذر للشهداء؟ وإذا كان الحبر الأعظم للنصارى الكاثوليك تلميذا لأوغسطينوس كما قال في خطابه، فما علاقة الدق المستمر على هذا الوتر بإحياء تاريخ عفا عنه الزمن؟ وللأمة الإسلامية تاريخ مجيد في صقلية ولديهم أيضا بشارة نبوية بفتح رومية، فعل يقبل منا الفاتيكان إحياءها بين الطليان؟ الكرم والصدقة التي أشاد بهما البابا في طباع الشعب الجزائري صورة لانقياد شعبنا التام لتعاليم الإسلام لم يأت على ذكرها، ولم يدع قومه لتمثل هذه القيم السامية كذلك. الدعوة إلى مدنية الدولة الجزائرية تدخل وإدانة للممارسات السلطوية للنظام في هذا البلد. ثم إن تعريج الرجل على القانون الدولي كي يعطي غطاء لوجود جماعات دينية تنتمي إليه أوصى بها كي تشارك في الحكم، إنه مس بالنظام العام للدولة الجزائرية التي بالغ ممثلوها التصفيق على كلماته في القاعة مرات ومرات.
لا يزال الحبر الأعظم غير متحرر من القسمة الثنائية بين الديني والحداثي التي صبغت الفكر السياسي بعد الصراع الدامي بين الكنيسة والعلماء. ولا يزال قادتهم لا يفقهون رسالة الإسلام في إقامة كيان سياسي لا يعرف تلك الثنائية التي أسرت العقل الغربي. إنه ليس عندنا الديني في العقيدة إلا مدني والعكس صحيح. ثم إن البابا لم يصرح أين مواقع العلمانية والأصولية في بلادنا؟ كما أن أمتنا المسلمة لا تعتبر البحر والصحراء مفترقا للثقافات، كنا ولا نزال نسعى لجعل الأرض كلها واحة للإنسانية في ظل دعوة الإسلام، الذي ارتضاه الله للناس دينا أبديا. الحرية والتجدد والحوار والحس النقدي والتقاليد الروحية والدينية الكبرى والمصالحة... مصطلحات طفحت بها كلمات البابا، وهي مصطلحات جذابة لولا أن معانيها غامضة، ولا تحمل للناس "رجاء" عمليا يهتدون به في زمن ينحو فيه العالم نحو مزيد من الظلمات.
منظار النبوة النفيس
أشير إلى أن القيم الإنسانية مشتبهة وليست متشابهة، ولعل ظاهرة "الفتح" الإسلامي كفريضة كفائية افتقدتها الأمة منذ فترة وجدت لتنزع من الطغاة زمام الأعنة التي تتحكم في البشرية ليتحرر هذا المخلوق فيحيا في بيئة صالحة بفطرته السليمة، وليس التصفيق اليوم في الجامع الأعظم وهز الرؤوس بالموافقة من أركان الدولة الجزائرية لحبر الكنيسة الكاثوليكية الأعظم وهو يسفهم التمسيح بملعقته الكهنوتية إلا غفلة كبيرة عما يريده الكفر بالعباد.
كان رواد الفكر عندنا في مرحلة الاحتكاك الأولى بين المشرق الإسلامي والغرب الحداثي يبحثون عن سبل للخروج من واقع أمة رأوها مقارنة بغيرها المتقدم ليست بخير، فوجد بعضهم توليفة بين "روحانية الشرق وانضباط الغرب"، والغريب في كل هذا، أنهم لم يلتفتوا إلى عدم الحاجة إلى المقارنة أصلا، لأن الأمة كانت بتخلفها الظاهر عن الأوربيين أحسن حالا منهم في أغلب ميادين المقارنة، وكان الأولى بهم أن يحرضوها على السبق بآلياتها الخاصة بها لو أنهم أحسنوا تفعيلها كما يجب. ما أريد قوله، إن أمتنا المسلمة لها مجالها التداولي الخاص بها، وليست بحاجة إلى زيجة بين ذا وذاك، مع لحاظ أن "روحانية الشرق" فكرة سوقت لها مجاميع المستشرقين العامل معظمها لدى دوائر القرار الاستعماري، في محاولة بائسة منهم لإسقاط ما فعلوه بالكنيسة على الإسلام، فضلوا وأضلوا.
أعرف زوجين فرنسيين ممن ولدوا هناك بزواج مختلط تطالقا لسبب تافه مرجعه إلى نوعية التدين الذي يريد الزوج أن تتبعه زوجته. ولما تتبعت قصتهما وجدتهما يستقيان المفاهيم الإسلامية مما ترجم من كتب مشرقية ذات طابع "سعودي"، تباع في مكتبات تلك المدينة الفرنسية. وحينما سألت البائعة عن ذلك، أجابتني بأن الخليجيين هم أكثر من استثمر في هذا الاتجاه، وبالتالي اصطبغ الملتزمون الجدد بالإسلام في فرنسا بهذا النمط من التدين تلقائيا.
من هنا أسأل ماذا كان سيفعل هؤلاء الشباب المحدثون لو ألقي بهم في بيئة متناقضة ومستفزة كبيئة آبائهم؟ ألم يك هذا الشباب الناشئ في بيئة "منضبطة" مُدارا من حيث يدري أو لا يدري بـ"سيستام" آخر لا تقل مخاطره عن "سيستام" الأنظمة المستبدة ولو كان تحت مسمى "الديمقراطية"؟ تقديس الوقت والروح الجماعية والاحترافية... من ابتداعات الرأسمالية، التي شكلت المجتمعات الغربية بصورة تخدم توحشها نحو المادة، ولعل إقامة نصب الساعة في الساحات العامة برمجة عصبية للمجتمعات "المتحضرة" كي تسير على هذا الدرب المسيج بقيم غربية الروح، الغاية منها تلبية حاجات تخلّقها عقول تخدم أرباب المال والأعمال، وهم من اليهود أساسا، الساعين دوما إلى استحمار البشرية.
الجيل "المريح" للتوجه الديني الذي تروج له السعودية هم نطف صالحة خرجت من رحم آباء صالحين، وهم بعملهم السلس الذي يؤدونه، ولو كان في مجال الدعوة، منفعلون بمنظومة متسلطة ولا يستطيعون التخلص منها ولا تغييرها بسهولة، في مشهدية تبدو للناظر منسجمة، ولكن وراءها طغيان، والطغيان الناعم كالأرعن فهما سيان.
الموقع الذي كان يقف عليه المصطفى (عليه الصلاة والسلام) ويطل من خلاله على أمم الأرض موقع نوراني، يملك فيه صاحب الشفاعة النظرة الثاقبة والمنظار الذي لا يخطئ. ولما غادر النبي الموقع جسديا ترك لنا المنظار محفوظا لدنيا وهو أنفس ما نملك على الإطلاق لو أننا أخذناه بعلم وقوة. محاسن الغرب تستحق أن تدرس في ضوء ذلك الشعاع وتحلل بعمق، وما أكثر الفقاعات الغربية التي توهم الناظر وليست إلا سرابا.
حديث الغيلة كحديث ابن العاص في خصال الروم الخمس، وكحديث الإشادة برجال من فارس ومطاولتهم الإيمان ولو كان في الثريا... حسنات خالصة عبرت بنجاح على مخبر التحليل النبوي وتقاطعت مع المنظور الإسلامي ولكن لكل وجهة هو موليها. كان عمرو بن العاص (رضي الله عنه) رجلا حكيما فعلا، لم يحدّث بما علمه من خصال الروم إلا لما سمع المستورد القرشي يحدث عن كثرة الروم ساعة القيامة، لأنني أحسب هذا الصحابي الجليل كان متحفظا بداءة في طرق هذا الباب وهو غير مهزوم، فكيف به لو كان كذلك؟ تكاد أمتنا اليوم تعرى من إرث النبوة إلا قليلا، ولقد رأى الناس أمس من كان يجدر به أن يمثل الإسلام في الجزائر كيف يعرض على البابا قاعة صلاة بناها الصينيون ولا يعرض عليه الإسلام نفسه ليريه أن النصرانية ليست على شيء، طمعا في أن يشرح الله صدرا للإيمان بقامة حبر أعظم رجاء أن ينقذ نفسه من الجحيم.