جدول المحتويات
ومع ذلك هناك دلائل واضحة ومؤشرات كبيرة أن أمرا ما يحضر له بطريقة متدرجة بالغة الذكاء والدقة بدءا من تسريبات إعلامية و "شعبوية" ثم إثارة المسألة في البرلمان من طرف أعضاء من الحكومة تحضيرا للساحة السياسية وجسا لنبض الطبقة السياسية ثم تمييع القضية حتى تخرج من نطاق المحظورات والكلام "المنبوذ" إلى مسألة طبيعية تسوق كوجهة نظر عادية شأنها شأن باقي المواضيع التي يشبعها شارعنا المتسيس نقاشا آناء الليل وأطراف النهار، وانتهاء ربما بمسيرات حاشدة لألوف المواطنين الذين يسحقهم الفقر لا يدرون ما يرددون تحركهم الحاجة والحمية القبلية وحتى وإن كان ذلك بدافع الغيرة الوطنية وحب والاستقرار أحيانا؛ وقد يتطور الأمر إلى نقاش علني وجدي بين الأطراف السياسية أو بعضها حول هذه القضية.
ورغم ما تشهده الساحة السياسية من ترهل وما تعيشه الطبقة السياسية من تصدع والمواطن العادي من فقر وصعوبة في الحياة لا أحد ينكر دور النظام الحالي في الدفع بعجلة التنمية للأمام وما قدم من مساهمات شجاعة في هذا المجال تذكر فتشكر بيد أن كل ذلك ليس مبررا لخرق الدستور أو تعريض تجربة بلد للفوضى فالدولة مستمرة ومن يسيرها لديه الإمكانات والوسائل ولا يعمل تطوعا بل برواتب وحوافز وأمانة في عنقه تكبله وحقوق البلاد والعباد ومسؤولية استمرار المسيرة وتوريث الأجيال وطنا يركن إليه.
موريتانيا دولة كبيرة المساحة؛ قليلة السكان؛ متباعدة المدن والقرى خرجت من عنق الزجاجة منذ عقود من الزمن وناضلت من أجل الاستقلال لتنضوي قبائل متفرقة أرهقتها الحروب الأهلية والحل والترحال لتجد موطئ قدم بين الأمم؛ تعيش أزمة حقيقية على مستوى توفير الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وماء شروب وكهرباء وسكن لائق وآفاق مستقبلية يبنى عليها والأدهى أنها تواجه مطبات عرقية وشرائحية مافتئت تطفو على السطح منذرة في كل مرة بما لا تحمد عقباه؛ هذه البلاد تحتاج من يحس بها يفكر بمستقبلها ومصير أهلها.
كثر ممن يعتبرون أنفسهم من الموالاة يبدون حماسا كبيرا لتبرير أي خطوة قد تصدر في الأيام أو الأسابيع المقبلة حتى وإن كانت دعوة الشعب للاستفتاء على تعديل الدستور من أجل زيادة مأموريات الرئيس وبالتالي تمكين الرئيس الحالي من الترشح لمأمورية ثالثة،
لكن لا أحد يكلف نفسه عناء التساؤل لماذا هؤلاء ينجرون في خرق فاضح للدستور وتحطيم بين لمسيرة وطن وتجربة شعب ظلت عرضة للانتهاك؛ هل هناك من يفهم المغزى الحقيقي لهذه الخطوة؟ البعض لا يرى أبعد من أنفه ومصلحته الضيقة إن حدثته عن المستقبل والأجيال والتعايش السلمي وتقسيم الثروة وآليات لاستمرار الدولة في ظل انهيار كيانات عديدة وسحق العولمة ومحو الحدود فتتفاجأ أنك أمام حائط مسدود.
والبعض الآخر لا تنقصه الثقافة والمعرفة يبررها بضرورة وجود رجل قوي ونظام متماسك حتى تعبر البلاد هذه الوضعية العالمية والاقليمية الصعبة.
والبعض لا يرى أي فرق بين حكم هذا الرئيس أو رئيس آخر ويفضل الاستقرار والأمن ويرجع المسألة إلى الوعي والنضج ومستوى مادي مقبول لدى الناس قبل توفرها سنظل نتجاذب ونتذبذب نتعاهد على دستور الجمعة وننقض عهدنا السبت وتلك حال أغلب البلدان والدول والشعوب التي لا تزال تتعثر الخطى نحو فهم أسباب استقرار الدول واستمرار مسيرتها.
كثر يبررون ما سيقام به أن الشعب هو مصدر كل التشريعات وأن الدستور ليس مقدسا بل يؤخذ منه ويعطى وحتى لا ندخل في نقاشات بيزنطية لا تقدم إن لم تؤخر كلنا يعرف أن هذا التبرير حق أريدت به "مصلحة" حتى لا نقول باطل ففي الأخير لكل موريتاني الحق في التعبير عن رأيه حتى لو كان في نظر غيره خطيئة لا تغتفر وبهتان عظيم.
بيد أن الأدهى من كل ذلك غياب خطة واضحة المعالم لمناوئي التعديل الدستوري أو ما يحاك في الخفاء فلا أحد مستعد أن يجلس جلسة تعقل بعيدا عن المعارضة النمطية لكل شيء ويطرح على نفسه السؤال الكبير نحن إلى أين؟ أين البديل؟ أين الخطط؟ أين التوجهات الصادقة أين التنازلات الجدية لإخراج البلد من ها النفق بعيدا عن السب والشتم وكيل الاتهامات التي لن تخرجنا من الأزمة بل ستوطدها وتدفع بكل طرف إلى التحجر لرأيه والنتيجة المزيد من التشرذم وإنضاج المشاكل والفقر وغياب التصور السليم وبالتالي نتائج هزيلة على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ الإرهاب؛ الجريمة المنظمة؛ الانقلابات؛ المخدرات وتفشي ظواهر منكرة وانهيار منظومة القيم في ظل انتشار وسائل الاتصال وسحق العولمة وانتشار الأمرا ض الاجتماعية من الكذب والنفاق وإحياء القبلية والنعرات والمشاكل الاجتماعية الأسرية الغول الذي ينهشنا بصمت كالطلاق والعنوسة والبطالة والجهل وغياب الاولويات والبذخ والتبذير والتقليد الأعمى
إن بلادنا ليست بحاجة إلى أزمة جديدة بل إلى عقلاء حقا من كل الأطراف ونقاش جدي وبناء وتغليب المصلحة العامة والإيمان أن المصالح الشخصية ضيقة وعاجزة عن الاستمرار؛ واحترام الدساتير والعبور لمرة واحدة إلى أمل وآفاق أرحب..