تخطى الى المحتوى

نحن وسد Manantali… "الإحياء" المميت!

جدول المحتويات

**

لا شك أن كبار السن من سكان الجنوب عموما ومنطقة شمال مدينة "القوارب" خصوصا، وحتى مشارف "إكيدي"، يتذكرون تلك الغابات الكثيفة بأشجارها الخضراء المتشابكة الأغصان ونباتاتها المزهرة وبحيراتها الصافية، وما تزخر به أدغالها من حياة بيئية غنية: حيوانات برية متنوعة وسباع وزواحف وطيور وحشرات… تشكل عالما فريدا من الحياة الطبيعية النشطة.

 

لقد اقتربتُ من تلك المناطق ودخلت حافتها من ربوع "الخط" التي يقول فيها العالم العلامة المبدع امحمد بن أحمد يوره:

 

من لم ير الخط ممطورا وساكنه = = فإنه ما رأى الدنيا ولا الناسا

 

أجل، كان ذلك بعد منتصف عقد الستينيات (حوالي 1966 إلى 1968 تقريبا) وكنا نسمع، ونحن أطفال يومها، عن غابات "تنيدر" و"كيوه" و"طنباص"… وأسرارها الرهيبة! ولذلك لم يكثر توغلنا فيها رغم إغراءات جمالها وسحر طبيعتها المتنوعة الخلابة. و"الخط" نفسه هو الخط الفاصل بينها مع "اذراع" أو "إكيدي"، وبالتالي فيه منها شيء ومنه شيء.

 

كل تلك المناطق "الأمازونية" أصبحت، منذ سنوات، صحراء قاحلة لا تكاد تميزها اليوم من مجابات "آوكار"!

 

واحتا النخيل العريقتان في "الغرس" و"عمار"، اللتان كنا نتطاول لاقتطاف البسر من عراجينها الدانية، يصعب اليوم ـ بل يستحيل ـ تحديد مكانهما؛ فقد عفتهما السوافي وردمتهما الرمال! بل إن المناطق الموغلة في المستنقعات النهرية، والتي بها معالم خلدها الشعراء، مثل نخلات "لورين" وأدغال وروافد "لعويجه"، باتت صحراء كالحة!

 

مهلا! السبب ليس سنوات القحط وانحباس القَطر التي عمت البلاد كلها، ولا حتى "حراقة الحموم والحطب" الذين أضرموا في تلك الغابات "شعلة الرحمة" بعدما جفت قيعانها وذبلت أغصانها وتهاوت آخر أشجار الغضا فيها خشبا.

 

إنها بيئة كاملة دمرت، دمرها تدخل الإنسان الخاطئ. لا، بل دمرتها الدولة، دولتنا الرشيدة بالذات، على مر عصورها؛ فقد ذهبت لإصلاح أمرها فقتلتها!!

 

الكارثة "الخفية" الواضحة التي حلت بتلك المناطق وغيرها من ضفة النهر الموريتانية كان سببها إنشاء سد "مانانتالي"MANANTALI الذي اكتمل سنة 1988 والذي نفتخر به ونرقص على انقطاعات كهربائه كل حين. وهو بالفعل سد كثير النفع، بل نعمة عظيمة لمن يغتنمون النعم!

 

وظيفة هذا السد باختصار شديد هي، قبل توليد الطاقة، التحكم في جريان النهر، بحيث لا يزيد الماء عن احتمال المجرى فيتدفق مترنحا ويفيض فيضانات تتلف الزروع وتغرق المنشآت. ولا ينقص جدا فيقل الماء وينحسر، حتى ليمكن اجتياز النهر على الأقدام في بعض المناطق وبعض الأزمنة.

 

أما سد "جاما" DIAMA ( اكتمل عام 1986) على مصب النهر فوظيفته الأساسية منع مياه المحيط الأطلسي من التسرب إلى مياه النهر ـ خاصة عند انخفاضها ـ وإصابتها بالملوحة.

 

وهكذا فإن سد "ماننتالي" يضمن ـ بمخزونه المائي الهائل ـ مستوى مثاليا من الماء للملاحة في النهر، ولإتراع آلاف الأحواض والمجاري الموجهة والقنوات المصطنعة، لري الحقول والغابات وسقاية الناس والحيوانات على مسافات طويلة بأقدار معروفة ومضبوطة من مياهه العذبة.

 

وفي نفس الوقت يَمنع التحكمُ في ذلك المستوى المناسب من الماء، من الفيضانات "الفوضوية" التي كانت تدمر المزارع والمباني غرقا كلما ارتفع منسوب المياه بسبب غزارة الأمطار على المنابع.

**

سعِـد الفلاحون وعموم السكان على طول الضفة اليسرى (الجنوبية) وازدهرت بلادهم بالإنتاج الزراعي والحيواني والنباتي، مع الأمن من الغرق وتوفر الكهرباء أيضا… لأن دولهم اهتمت ومولت وأشرفت على شق مئات القنوات وتقريب مياهها وتوزيعها وتعميقها، على طول الضفة، إلى تخوم أوطانهم.

 

أما في الضفة اليمنى أو الشمالية (الموريتانية) فحَدَث ما قدَّمنا: هلك الحرث والنسل، وهرب معظم السكان إلى أحزمة البؤس في المدن الكبرى، أو بقوا في تجمعات بائسة يصلها النعناع ذابلا من تلك المدن، وتتزود بالجَـزر والطماطم من إسبانيا!!

 

وهكذا أخذ إخوتنا في الجانب الآخر نصيبهم من نِعم هذا السد، وتركنا نحن نصيبنا منه للآخرة! مقابل الحرمان من ما كان يقذفه الفيضان الطبيعي من ماء يعمُر الأرض ويعيش السكان، والبلاد كلها، من ثمرات غاباته وصناعة أخشابها وأعشابها، وزراعة "مسايله" الخصيبة. ناهيك عن التأثير السلبي على دَرِّ السماء، بسبب محق تلك الغابات الكثيفة التي تمتص أوراقها ثاني أكسيد الكربون وتبعث وتنفث بخار الماء سحابا بإذن الله.

 

ويُذكر هذا "الغبن" المستمر الذي باءت به حكومات موريتانيا من خدمات OMVS، بقصة الرفيقين الطيبين "كابون" و"الثعلب" (أو"الذئب" في رواية) في رحلتهما المأثورة وكيف كانا يتقاسمان فيها المركب والكِـنَّ!!

 

في المقابل يذكرنا السياسيون في السلطة العسكرية، بجميع نسخها، من حين لآخر بأننا حصلنا من سد "ماننتالي" على 30% من حاجيات مدينة نواكشوط من الكهرباء. والحقيقة أن ذلك لا يتنافى تماما مع أن نصيبنا منها يساوي صفرا، لأن الكهرباء في نواكشوط تنقطع مع الأنفاس، إن وصلت أصلا!

 

وحتى في هذه "اتفـﮕريشة" (الكهرباء) لا يدعي أحد من هؤلاء، أن أي تجمع من مئات القرى والأحياء التي يمر بها خط كهرباء "ماننتالي"، من بدايته في أرضنا إلى نهايته، تستفيد من هذا الخط أو ترى منه سوى بروق احتكاك أسلاكه الخُلب في طريقه المحلِّقة إلى شبكة SOMELEC التعيسة!! تماما كما يُحرم من ماء النهر جميعُ سكان القرى والأحياء الكثيرة التي يخترقها خط مياه آفطوط الساحلي ـ الذي تتنازع الأنظمة حقوق تلحين أغنية إنجازه ـ بل تعاني تلك القرى لاعج الصدى وهي تسمع خرير مياهه في طريقها المغلق إلى شبكة  SNDE البائسة في نواكشوط.

**

الحاصل أن نعمة سد "ماننتالي" العظيمة وخصب أراضي تدفقه، كان حظنا منه تدمير أغنى وأجمل مناطقنا الغابوية/الزراعية وتحولها إلى صحراء أبدية. وحظ المناطق الخاصة بالخط الكهربائي المَمنون، من نوره هو الظلام. كما أن حظ مناطق آفطوط الساحلي من سقاية النهر الممنونة أيضا ما تزال العطش أو تدمير بعض مباني الفقراء الذين اقتحمت حفاراته مساكنهم المتواضعة.

 

وإذا حرم المرء من بعض الموجود، فإن طمعه في كل المفقود ضرب من العته!!

 

الأحدث