جدول المحتويات
وفي القرآن الكريم جاء ذكر مصطلح الرهبة ومشتقاته في ثمان آيات من القرآن الكريم، (البقرة، الآية 40، الأعراف 116، 154، النحل 51، القصص 32، الحشر 13، ومنه قوله تعالى: {ويدعوننا رغبا ورهبا}، الأنبياء 90، رغبة فيما عندنا ـ ورهبة مما عندنا، ومنه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} الأنفال 60، تخوفون به العدو في إطار الجاهزية للجهاد ولاستعداد المستمر لدفع العدو عند الاقتضاء أو على الأقل لردعه في إطار ما يسمى بتوازن الرعب، وهو أمر مشروع محمود تقوم جميع الأمم التي تدرك أهمية أمنها القومي أملا في ردع العدو ومنعه من الاعتداء ـ وما المعارض العسكرية وحرص الدول على امتلاك أسلحة الدمار الشامل إلا مثالا على ذلك.
وعلى العموم فإنه في الآيات الثمانية قد استعمل القرآن ذلك المدلول مرة واحدة لإخافة عدوا الله وعدو المؤمنين، أما الآيات الأخرى، فقد استعملت كلمة الرهبة من أجل الدعوة إلى مخافة الله فحسب.
لذا لزم التفريق بين مستوين لمعنى الإرهاب في الشريعة الإسلامية:
المستوى الأول: معنى مشروع، وهو عبارة عن شعور بالخوف، يحصل لمن تحدثه نفسه بارتكاب العدوان، نتيجة إحساسه بوجود قوة مرهوبة رادعة، تصده كلما همَّ أو فكر في ارتكاب جريمته .
هذا النوع من الإرهاب إيجابي محمود، مأمور بالإعداد له شرعًا، دعمًا لاستتباب الأمن والاستقرار، وهو المعنى الأصيل لكلمة الإرهاب لغة وشرعًا .
ومفاده إجمالًا في القرآن الكريم: حصر اختصاص الإرهاب والخوف بالمعنى الحقيقي، في جنْب الله عز وجل.
وهو المشهور في كتابات أهل الاختصاص في الثقافة الإسلامية.
وأما بين العباد فالشأن أن يعم بينهم السلام؛ لأنهم جميعًا شركاء في الإنسانية خلقوا من نفس واحدة قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1].
وأما المستوى الثاني لمعنى كلمة الإرهاب المعاصرة، فهو الخوف الذي تَعْتَرِيه الأحكام الشرعية: فقد يكون إثمًا وعدوانًا، وجرمًا عظيمًا، وقد يكون دون ذلك، وقد يكون قصاصًا وتطهيرًا، وتثبيتًا لحياة الآمنين ودفاعًا عن الضعفاء والمظلومين.
وباختصار فقد يجري به العمل على سنن العدل والإنصاف، وقد يكون هدمًا لتلك السنن، وتفصيله في أبوابه في علم الفقه وأصوله حسب أنواع وصور حالات وقوعه.
ولكن المشكلة في المفهوم الاصطلاحي
وعليه، هل لمصطلح الإرهاب اليوم معنى واحد في أذهان المتكلمين والمخاطبين؟
ما هو الموقف الدولي من الإرهاب؟ هل هناك اتفاق عام؟ أم هناك صراع على المفاهيم؟
وهل مفهومه لا يختلف باختلاف الثقافات واللغات ومصادر التشريع؟
وهل يجب تعديل مفهومه وإعادة ضبطه كلما حصل له نَقْلٌ من لغة وبيئة إلى أخرى، كما تعدل قيمة العملات المختلفة ويعاد تقديرها؟
ومع ذلك فقد غلب الاستعمال بالمعنى الغامض القلق لكلمة الإرهاب، وجرى الحوار بين الثقافة الغربية والعربية على غير ما قرره الإسلام، وحدد معالمه.
وليست مقولة بوش: "من لم يكن معنا فهو ضدنا" عنا ببعيد، وهي ليست كمقولة الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
فالأولى تعكس منهجًا أنانيًّا متطرفًا غاية التطرف، مغال غاية الغلو، ضد الآخر، لا ينظر إلى الأشياء إلا من خلال الذات "الأنا"، فهو بذلك لا يتقبل أن يكون له ند، وذلك سبب من أخطر أسباب العتو والطغيان والإفساد في الأرض .
وأما المقولة الثانية، فتدل على منهج متسامح، يرى صاحبه الصواب ويلتزمه ما لم يتبين له خلافه، فهي مقولة متفتحة على الرأي الآخر، تصغي إليه مع استعداد لتقبل الحق أيًّا كان مصدره، لأنه ضالة المؤمنين وغايتهم.
إن منهج الإلغاء والإقصاء مرهب مرعب، يفتقر إلى الوسطية والاعتدال، هذا المنهج الذي تشتد حاجة الإنسانية إليه؛ لأنها مهددة بحروب الفناء والدمار، ولا منجاة منها إلا بسلوك منهج الوسطية والعدل والاعتدال، وهو ما ينادي به الإسلام، ويحرم على المؤمنين التطرف السلبي والعنف بغير وجه حق .
ففي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطى على العنف، وما لا يعطي على سواه" .
وفي موطأ الإمام مالك قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى رفيق يحب الرفق، ويرضى به، ويعين عليه ما لا يعين على العنف".
وقد عرَّف "المجمع الفقهي المنعقد بمكة المكرمة في 10/1/2002 "تعريفا شاملا الإرهاب بأنه: "العدوان الذي يمارسه أفراد، أو جماعات، أو دول، بغياً على الإنسان (دينه، ودمه، وعقله، وماله، وعرضه)، ويشمل صنوف التخويف، والأذى، والتهديد، والقتل بغير حق، وما يتصل بصور الحرابة، وإخافة السبيل، وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف، أو التهديد، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي، فردي، أو جماعي، يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم، أو حريتهم، أو أمنهم، أو أحوالهم، للخطر، ومن صنوفه: إلحاق الضرر بالبيئة، أو بأحد المرافق، والأملاك العامة، أو الخاصة، أو تعريض أحد الموارد الوطنية، أو الطبيعية، للخطر، فكل هذا من صور الفساد في الأرض، التي نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين عنها في قوله {ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} القصص: 77 انتهى.
التعريف الأمريكي للإرهاب
ولا بد أن نشير هنا إلى موقف الدول العظمي وخاصة أمريكا من تعريف الإرهاب لما يتميز به موقفها من أهمية بالغة على مستوى الصناعة القانونية فتاريخها وحاضرها وحتى مستقبلها ورؤيتها الاستراتيجية كل ذلك يضغط على بقية المجتمع الدولي، ليساهم بقوة في الفوضى المفاهيمية للإرهاب لحاجة في نفس يعقوب.
ذلك أن النظرية الغربية القائلة بأن الدولة لا تعرف المبادئ وإنما تعرف المصالح فقط، قد فتحت باب المضاربة لأصحاب المصالح والغايات التي لا تتقيد بالقيم والمبادئ، والقوانين الدولية التي تلتزم بها، كما هو مشاهد في السلوك الدولي في أكثر من مناسبة، كلما استشعرت دولة ما من نفسها أنها القوة الأولى، تعالت فوق القانون، وبادرت ببث الرعب والخوف، تحت ذرائع وتأويلات لا يمكن أن تصرف الأنظار على واقع التخريب والدمار، ولا يمكن إخفاء الغايات المضمرة الحقيقية وهي الرغبة في تحقيق المزيد من المصالح المادية، وهذا السلوك الدولي هو الذي في الغالب يفجر ردود أفعال يتوهم مرتكبوها أنهم بها يدفعون عن الأمة الضرر، ولكنهم يوقعون بأنفسهم وبالآخرين ضررًا أشدّ منه، وأوسع انتشارًا، وهذا النوع الأخير هو الذي ينصرف إليه وصف الإرهاب، ويُخَصُّ به في كثير من وسائل الإعلام، حتى يكاد إطلاق الإرهاب يقتصر عليه وحده.
وستظل إمكانية عرقلة الوصول إلى تعريف متفق عليه، ملزم للجميع، بين الأمم، تهدد السلم، وتدفع إلى نشوء الإرهاب والعنف، والفوضى المفرقة للكلمة اليوم، ولا سيما في مجلس الأمن الذي يصل فيه التناقض بينهم أقصاه عند وصف من يقاوم الاحتلال والاستعمار من أبناء البلد المحتل هل هو إرهابي أو لا؟
ومما لا شك فيه أن تجربة إرهاب الدولة الإسرائيلية، أصبح مدرسة لها تاريخها العريق وبحماية الفيتو الأمريكي العريق وتحت يافطة القانون الدولي.
وإذا كانت الولايات المتحدة من جانبها تتمسك داخل اللجنة الخاصة لتعريف الإرهاب الدولي باستبعاد إرهاب الدولة من اختصاص اللجنة، ومن التعريف الخاص بمفهوم الإرهاب. فإن ذلك يبقى مفهوما ما دامت تمارس الإرهاب بشكل علني في علاقاتها الدولية، وتعطي الممارسات الأمريكية قدوة للإرهابيين وخاصةً داعش في هذا الميدان تشبها بالأسلوب الإسرائيلي الممثل في اختطاف الطائرات والهجمات المفاجئة وعمليات الكوماندوس والاغتيالات.
فقد عمدت خلال شهر أكتوبر 1985 على اختطاف طائرة مصرية في الأجواء الدولية، وأرغمتها على النزول في جزيرة صقلية، وتتمسك الولايات المتحدة بأن عملها يدخل في إطار محاربة الإرهاب، أو بعبارة أخرى تمارس الإرهاب بدريعة مكافحة الإرهاب، مثال الغارة على ليبيا 1986 وغزو العراق وأفغانستان والوقوف في وجه نضال حركات التحرر.
كل ذلك تحت تحت شعار: "الحقيقة هي التي نصنعها نحن".
لقد استحدث الولايات المتحدة الأمريكية شكلا آخر يضاف إلى أشكال الإرهاب المعروفة إنه إرهاب الكذب الرسمي أو الإرهاب الأبيض مما أعطى كلود جوليان الكاتب الأمريكي المعروف الحجة اللازمة أن يتميز في كتابه "الحلم والتاريخ" عن الكذب الإرهابي، الذي مارسه رؤساء الولايات المتحدة، وهذا يوضح أن للحكومة الحق في أن تكذب إذا دعت الضرورة، لإنقاذ نفسها، وهذا ما أكده (ارتر سلفتن) عندما كان معاونا لوزير الدفاع الأمريكي السابق (ماكنمارا).
فقد كذب الرئيس (جونسون) في عام 1962، حاصلا على موافقة معاونيه، عندما زعم أن فيتنام الشمالية اعتدت على سفن أمريكية في خليج توتكن لتبرير شن عدوان على فيتنام ( )، ومكنه ذلك من الحصول على موافقة الكونغرس، وبدأت الحرب الأمريكية الفيتنامية.
كما كذب (نيكسون) عندما أخفى عن الكونغرس المعلومات الخاصة بقيام الطائرات الأمريكية بقصف الأراضي الكمبودية، وكذلك أيضا شاركه هنري كسنجر مدير المخابرات المركزية، عندما أكد أن لا دور للولايات المتحدة في الأحداث التي أدت إلى انقلاب عسكري في تشيلي، وموت سلفادور اللندي.
كما أن (جون كندي) الرئيس الأمريكي الذي تم اغتياله في تكساس أرغم
(ادلاي ستفيوسن) على الكذب بدفعه إلى التصريح، بأن معركة خليج الخنازير لا تلزم ولا تعني الكوبيين.
وقصة أسلحة الدمار الشامل العراقي التي يخفيها الشهيد صدام حسين معروفة.
تعريف القوانين الأمريكية الوطنية للإرهاب
لكل جهاز أمريكي معني تعريفه الخاص للإرهاب:
– تعريف وزارة الخارجية الأمريكية: الإرهاب هو العنف المتعمد ذو الدوافع السياسية، والذي يرتكب ضد غير المقاتلين، أو غير المتنازعين بواسطة مجموعات قومية، أو وكلاء خائنون، وعادة بغية التأثير على الجمهور، حيث أن غير المقاتلين هم المدنيون، إلى جانب العسكريين غير المسلحين، أو الذين في غير مهماتهم وقت تعرضهم للحادثة الإرهابية، أو في الأوقات التي لا توجد فيها حالة حرب أو عداء. أما الإرهاب الدولي، فهو الذي يشترك فيه مواطنون أجانب، أو يتم على أرض أكثر من دولة.
– تعريف وزارة العدل الأمريكية ١٩٨٤م: الإرهاب هو أسلوب جنائي عنيف يقصد به بوضوح التأثير على حكومة ما عن طريق الاغتيال أو الخطف.
– تعريف وكالة المخابرات الأمريكية: عرفت وكالة المخابرات الأمريكية CIA الإرهاب فقالت "إنه العمل العنيف الذي يرتكبه أجنبي في دولة ما، أو العمل العنيف الموجه ضد شخص أجنبي في بلد المجرم" وهنا تجدر الإشارة إلى أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية هي الجهة الوحيدة في العالم، التي ليس من حقها تعريف الإرهاب أو الإسهام في وضع مفهوم له إلا إذا كان من قبيل الكشف عن ممارستها القذرة، ومنها اختطاف الأبرياء وعلى رأسهم المهندس العبقري محمدو ولد صلاحي عجل الله فرجه.
وهي مناسبة أقدم فيها كتابه القيم "يوميات اغويتنامو" التي يوثق فيها الحيف الأمريكي، أقدمه للأستاذ الجامعي وخبير القانون الدولي وأول محام عربي مسلم في قضايا حقوق الإنسان أمام المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي وعضو الهيئة العالمية الإسلامية للمحامين الدكتور الهادي شلوف.
رجاء مساهمته والهيئة العالمية في الضغط على السلطات الأمريكية لإطلاق سراح محمدو ولد صلاحي الذي برأه القاضي الفيدارلي الأمريكي ورغم ذلك استمرت السلطات الأمريكية باعتقاله.
– تعريف مكتب التحقيقات الفيدرالي ١٩٨٣م: عرف مكتب التحقيقات الفيدرالي الإرهاب بأنه: "أي حادث يستعمل فيه العنف، ويكون خطيرا على الحياة الإنسانية في الولايات المتحدة، لتخويف أو الضغط على الحكومة أو المجتمع المدني أو أي قطاع من القطاعات".
ومن الجدير بالذكر أن الأجهزة الأمنية الأمريكية قد وجهت اتهاماتها بشكل عشوائي، ودون تدقيق إلى بعض الحكومات العربية والإسلامية أو إلى بنوكها الإسلامية، فضلاً عن المؤسسات الخيرية، سواء ذات الطابع المحلي أو العالمي، وبعض الأفراد والمشروعات والشركات التجارية المملوكة لعرب أو مسلمين. وترتب على ذلك العديد من المشاكل والتعقيدات سواء لهذه الجهات أو للدول التي تنتمي إليها، مما وضع الدول المعنية في مواقف صعبة تحاول فيها التوفيق بين اعتباراتها الداخلية الخاصة والضغوط الأمريكية المكثفة.
وكشفت تلك التطورات عن كون الولايات المتحدة تتحرك وفق رؤية خاصة تلبي مطالب أمنها القومي في المقام الأول دون النظر إلى اعتبارات ورؤى الكثير من الأطراف الأخرى، وذلك أن أي ضبط لتعريف الإرهاب سيترتب عليه إدانة الراعي الأمريكي للسلم الدولي.
فشل محاولات إقرار تعريف قانوني للإرهاب
الجريمة الإرهابية
تعد الجريمة الإرهابية من أصعب الأعمال التي يمكن تعريفها ببساطة، وقد اختلط الفعل الإجرامي المسمى إرهابا بالإرادة السياسية الراغبة في وصم أعمال معينة بالإرهاب دون غيرها.
وأجمع فقهاء القانون عامة بمختلف فروعه التي ساهمت في محاولة تعريف الإرهاب على صعوبة هذه المحاولة وهذا التعريف.
فمن أصعب جوانب دراسة الإرهاب بصفة عامة والإرهاب الدولي بصفة خاصة، هو محاولة الوصول إلى تعريف محدد للإرهاب، ومن أهمها أنه ليس لهذا المصطلح محتوى قانوني محدد، فقد تعرض مصطلح الإرهاب إلى تطور وتغير منذ بدأ استخدامه في القرن الثامن عشر بعد الثورة الفرنسية.
وقد كانت صعوبة وضع تعريف جامع وشامل للإرهاب لم تزل عقبة كبرى على طريق الجهود المبذولة لوضع حد وحل مناسب وحاسم وعلاج نهائي لهذا الداء العضال إذ أن هناك فوضى مفهوماتية يتخبط فيها الإرهاب وأن الاستعمال الواسع لهذه الكلمة لا يعني في شيء الحسم المسبق في المضمون المحتمل للمصطلح، ولا يخفي ما للكلمة من شحنة معنوية تنابزية وسجالية، ومن هنا فإن ما يعتبر في نظر هؤلاء إرهابيا يعتبر في نظر أولئك كفاحا من أجل الحرية، لهذا فإن نعت إرهاب يعبر في الحقيقة عن موقع المتحدث أكثر مما يكشف عن مدلول النعت نفسه.
لكن رغم هذه الصعوبات فقد بذلت جهود فقهية كثيرة سواء من الفقهاء أو الأكاديميين أو في الممارسة العملية الدورية داخل المنظمات والمؤتمرات.
وإن ظلت المحاولات تعاني من الغموض كما تفتقر إلى درجة من اليقين. فظاهرة الإرهاب وصفها أسهل من تعريفها كما قيل، مما سهل إفلات إرهاب الأقوياء والدول العظمى من العقاب.
وقد سجل (Schmid) مائة وتسعة تعريفات من وضع علماء متنوعين في جميع فروع العلوم الاجتماعية بما في ذلك علم القانون واستنادا إلى هذه التعريفات المائة والتسع، فقد أقدم (Schmid) على مغامرة تقديم تعريف يضم في رأيه العناصر المشتركة في غالبية التعريفات الأخرى زاد ذلك التعريف ضبابية وغموضا لأن الشي مع غيره غيره.
إن القول بأن مصطلح الإرهاب ليس له مضمون قانوني محقق أو دقيق أو أنه لا يوجد له تعريف قانوني أو حتى سياسي مقبول بوجه عام هو إقرار بالواقع.
هكذا نجد الفقيه سوتيل يعرف الإرهاب بأنه "العمل الإجرامي المصحوب بالرعب أو العنف أو الفزع بقصد تحقيق هدف محدد". ويرى الفقيه الفرنسي جورج لافاسير أن الإرهاب "هو الاستخدام العمدي والمنظم لوسائل من شأنها إثارة الرعب بقصد تحقيق بعض الأهداف". ويعتمد جيفانوفيتش تعريفا يراعي مركز ضحية الإرهاب، فيعتبره بمثابة أعمال من طبيعتها أن تثير لدى شخص ما الإحساس بتهديد أي كان، وتتمخض عن الإحساس بالخوف بأي صورة.
ويشير الفقيه الفرنسي سالدانا إلى أننا يمكن أن ننظر إلى الإرهاب وفقا لمفهومين: الأول واسع والثاني ضيق، وبالنسبة للمفهوم الواسع فهو عبارة عن كل جناية أو جنحة سياسية أو اجتماعية ينتج تنفيذها أو التعبير عنها ما يثير الفزع العام لما لها من طبيعة ينشأ عنها خطر عام.
أما بالنسبة للمفهوم الضيق، فالإرهاب يعني الأعمال الإجرامية التي يكون هدفها الأساسي نشر الخوف والرعب – عنصر شخصي – وذلك باستخدام وسائل تستطيع خلق حالة من الخطر العام كعنصر مادي.
وعموما، فيمكن أن نميز أربعة اتجاهات أساسية في الفقه الغربي :
– إن ما يميز العمل الإرهابي في هذا الاتجاه هو طابعه الإيديولوجي، فقد عرف إيريك دافيد Eric David الإرهاب بأنه عمل عنف إيديولوجي يرتبط بأهداف سياسية.
– الاتجاه الثاني يذهب إلى أن ما يميز العمل الإرهابي هو الصفة العشوائية، فالعمل الإرهابي هو عمل عنف عشوائي وأن له آثارا غير تمييزية.
– الاتجاه الثالث، ويذهب هذا الاتجاه إلى أن ما يميز العمل الإرهابي هو أنه عمل عنف ذو جسامة غير عادية، وفي هذا السياق يرى Satille أن الإرهابي يرتكب أفعالا شديدة الخطورة لا تتوافق نتائجها مع الوسائل المستعملة فيها.
– الاتجاه الرابع: وقد عرفه الأستاذ Levasseur الإرهاب بأنه يتضمن عموما سلوكا معدا ومخصصا لإحداث الفزع وإثارة الرعب الجماعي، وهذا لأنه يستهدف مجموعة من سكان الدولة أو جزء منهم كطائفة اجتماعية معينة.
رأينا فيما تقدم الصعوبة التي تكتنف تحديد مدلول فكرة الإرهاب، لكن هذا لا ينفي المحاولات التي قامت على هذا الصعيد، لعل أهمها تلك التعريفات التي نوقشت في إطار المنتظم العالمي وخاصة منظمة الأمم المتحدة.
لقد عرفت أول مبادرة بهذا الشأن في سنة 1937 عندما أقر المؤتمر الدولي الذي عقدته عصبة الأمم اتفاقية دولية هي اتفاقية "جنيف" لقمع ومنع الإرهاب. وقد عرفت المادة الأولى من الاتفاقية في فقرتها الثانية بأن "أعمال الإرهاب" تعني "الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة يكون هدفها أو من شأنها إثارة الفزع والرعب لدى شخصيات معينة أو لدى جماعات من الناس أو لدى الجمهور"، وبالإضافة إلى ذلك فإن الاتفاقية نصت على مجموعة من الأعمال التي تعتبر أفعالا إرهابية من بينها الجرائم العمدية ضد رؤساء الدول والمسؤولين وأعمال التخريب ضد الأموال العامة والإحداث العمدي لضرر يعرض الإنسانية للخطر.
وقد وجهت مجموعة من الانتقادات لهذا التعريف، أهمها :
– أن تعريف الإرهاب بالرعب لا يضيف جديدا ويعتبر حشوا لا مبرر له.
– الحديث عن الأعمال الإجرامية يوصف بالغموض لأن مفهوم الجريمة متغير حسب الدول.
تشبيه الإرهاب بالأعمال الموجهة ضد دولة تتكون من شعب وإقليم وسلطة سياسية هو تصور ضيق، لأن أحد هذه العناصر هو الذي تمسه المؤامرة الإرهابية.
– إن هذا التعريف يخرج من طياته الأفعال الموجهة ضد الأفراد، فلا بد لإضفاء صفة الدولية على الإرهاب أن توجه ضد الدولة.
أما منظمة الأمم المتحدة فقد قررت منذ سنة 1972 إنشاء لجنة خاصة لتعريف الإرهاب الدولي، تتخبط في نفس الصراع القائم حول القضايا الأساسية داخل الأمم المتحدة، ويبقى الخلاف القائم بشأن المفاهيم الأساسية مرتبطا بتمسك عدة وفود، بضرورة التمييز بين الإرهاب الفردي، وإرهاب الدولة.
وإذا انتقلنا إلى تعريف لجنة القانون الدولي في المؤتمر الثاني في باريس 1984، نجد أعمال العنف التي تعد من قبيل الإرهاب الدولي هي كل الأفعال التي تحتوي على عنصر دولي والتي تكون موجهة ضد مدنيين أبرياء أو ممن يتمتعون بحماية دولية، ويكون من شأنها انتهاك قاعدة دولية بغرض إثارة الفوضى والاضطراب في بنية المجتمع الدولي، سواء ارتكبت هذه الأفعال في زمن السلم أو في زمن الحرب، وهي تتميز عن الجرائم التقليدية بأنها جرائم ضد السلم وضد الإنسانية، وبالتالي فإن قمعها يصبح ذا اهتمام دولي، أما إذا انعدم عنصر الدولية فإن جميع الأفعال تعالج على نحو ملائم من قبل كل دولة بنفسها ووفقا لقوانينها الوطنية.
أما الولايات المتحدة فقد قدمت مشروع اتفاقية، إلا أنها هي الأخرى، وكما يتضح من المادة الأولى للمشروع، ترتكز على الإرهاب الفردي حين تعتبر أن "كل شخص يقوم في ظروف غير مشروعة بقتل شخص آخر أو إحداث ضرر بدني فادح له أو يقوم باختطافه أو يحاول ارتكاب هدا الفعل، فإنه يرتكب جريمة ذات بعد دولي.
وخلاصة القول إن الخلاف الدائر بشأن تعريف الإرهاب الدولي يتمحور حول خمسة عناصر أساسية:
– تحديد ما إذا كان الفعل الإرهابي يتعلق بفاعلين خصوصيين أم عموميين، وبعبارة أخرى هل يتعلق الإرهاب بأفراد أو جماعة من الأفراد أم يمكن أن يصدر كذلك عن الدول والحكومات.
– تحديد ماهية الأعمال المحرمة.
– تحديد عنصر التدويل.
– تحديد الباعث والنية.
– تحديد الضحايا.
القانون الموريتاني والإرهاب
بالنسبة للقانون الموريتاني فقد عرف الإرهاب تعريفا وصفيا شمل أفعال كثيرة تناولتها المواد: 4، 5، 6 من القانون رقم: 035 – 2010 الصادر بتاريخ 21 يوليو 2010.