جدول المحتويات
لكنني بالمقابل – و رغم مراودة النفس غير ما مرة بدخول حانات وبيوت قمار وبورصات المتاجرة السياسية – زهدت في ذلك وحفظت للقلب والإرادة إخلاصهما وصدقهما "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء". ودون حشو أو خروج عن الموضوع أبوح لكم بأنني بعد – التحرر مما سميته التصوف السياسي وما يرتبط به من تعلق بالظاهر في القول والفعل حتى لا أقول بالتملق والتظاهر – أدركت أن الجوهري في السلوك هو تصحيح الإرادة والقصد، وقاسمت مائة بالمائة الإمام الغزالي في خلاصة رحلة الشك في "المنقذ من الضلال" والقائلة بأن "الصوفية هم أهل الحق". وتوصلت إلى أن التركيز على الإرادة الخيرة – بلغة الفيلسوف الألماني "كانط" – وتصحيح القصد وإصلاح الباطن والبعد عن الرياء – بلغة الصوفية – نحتاج إليه في المبادرات والأعمال العامة والجماعية ربما أكثر مما نحتاج إليه في أعمال الذكر والعبادة ذات الطبيعة الانفرادية.
موقع واحد من تلك المواقع التي تعودت العامة أن تخص وتشرف بها من تسميهم المثقفين والشعراء والكتاب والفلاسفة والعلماء، وهو خيار الحياد السلبي تجاه الشأن العام واعتزال السياسة، لم ولن أقبل يوما أن يكون موقعي أو يكون تشريفي. وريثما تتاح الفرصة في مناسبات أخرى للبرهنة على أن عصر احتكار السياسة من طرف الأحزاب السياسية قد ولى، سأكتفي بالقول هنا إنني لم أقتنع يوما بذلك الفكر وتلك الثقافة السجينة في قاعات الدرس ورفوف الكتب. فكر وثقافة هي أرقام صفرية في مسار الحياة اليومية للناس، إذ أن هموم تلك الحياة المعيشة تغيب بالكامل في السطور وفيما بين السطور وفي المنطوق كما في المفهوم في ذلك الفكر وتلك الثقافة.
أما في التحليل الذي نتبناه فإن الفكر والفلسفة بقدر ما هي مطالبة بتحقيق الكلية والعموم والتجرد والتجريد بقدر ما هي مطالبة بالبقاء على صلة مباشرة أو غير مباشرة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المعيشة للناس. وبعبارة أخرى فإن الفكر ملزم دوما بنوع ما من الالتزام السياسي والاجتماعي تجاه مطالب الإصلاح والتنمية والسلم. وانطلاقا من ذلك لم أغب عن التصويت في أي استحقاق انتخابي ولم أصوت يوما بالحياد منذ العام 1986.
ونرى أن هذا "الالتزام السياسي" الواجب على المثقفين، يدور ما بين "فرض الكفاية" و"فرض العين"، حسب الظروف والأحوال المتغيرة. وهو يغدو في بعض المنعطفات التاريخية الخاصة فريضة متعينة على الجميع دون أي استثناء. ومن تلك المنعطفات التاريخية بامتياز هذا الذي نعيشه وتعيشه معنا القرية الكونية.
إنه منعطف يتميز باضطلاع السياسيين والموظفين في مختلف حكومات العالم بمسؤوليات ومهمات ذات طبيعة كونية تمس حياة كل واحد من سكان الكوكب بغض النظر عن هويته وانتمائه، شملت النظم المصرفية والنمو السكاني والتجارة والأمن قبل أن تتمدد إلى البيئة والمناخ. وإذا كانت قمة الأرض في البرازيل عام 1994 وقمة المناخ في فرنسا نهاية العام 2015 قد أنذرت بكوارث بيئية ومناخية تهدد الجميع وطالبت الجميع بالعمل على مواجهتها، فإن ثمة كوارث اجتماعية وسياسية أخطر من الأولى قضت على أسس التعايش السلمي والاستقرار المجتمعي للعدد الأكبر من دول العالم، وعلى رأسها الإرهاب والتطرف ورفض القبول بالآخر والحوار معه. وفي مواجهة ظروف كهذه يعتبر موقف الحياد وخيار "الخويصة" استسلاما "جبريا" للحرب الأهلية المفتوحة والعنف الطائفي والعرقي الأعمى و الأفق الاقتصادي والتنموي المسدود.
وضمن هذا السياق وجدت نفسي – بعد سنوات من البعد عن ساحة الكتابة والنشر – غير قادر على كبح النفس عن المشاركة في الحوار الدائر في الأسابيع الأخيرة حول "المأمورية الثالثة المحتملة" للرئيس محمد ولد عبد العزيز. لقد وجدت السؤال من الأصالة والحساسية والجوهرية في رسم مصير بلدي ومستقبله في لحظة مفصلية من تاريخه بحيث لا يمكنني تجاهله.
زد على ذلك أننا تابعنا طيلة السنوات الماضية المحاولات الجارية لتنظيم حوارات وطنية بمشاركة مختلف أطياف الساحة السياسية بغية التوصل إلى تفاهمات أو توافق وطني، دون جدوى. ولعل المحاولات المتعثرة في هذا الاتجاه – خلال الشهور الفارطة – وما تميزت به أخيرا من إعلان "المنتدى الوطني للديمقراطية" – أكبر تجمع لقوى المعارضة – عن وضع حد لكل مبادرات الحوار لحين اعتذار وزراء الحكومة الذين فتحوا المجال للمأمورية الثالثة عما ورد في هذا المعنى ضمن تصريحاتهم أمام النواب وأمام الصحافة، ما يؤكد عدم توفر الأرضية الضرورية لانطلاق ونجاح هذا الحوار السياسي، وصولا إلى التوافق الوطني المنتظر. وهذه الوضعية تفرض في نظرنا دخول المجتمع المدني والكتاب والصحفيين على الخط للمساهمة بحوار الأفكار والأقلام عبر الصحافة الالكترونية والإعلام السمعي البصري والفضاءات الخاصة بمراكز الدراسات وتنظيمات المجتمع المدني.
وضمن هذا الإطار المختلف عن الخنادق السياسية والمفتوح أمام الجميع أود اليوم التقدم بمداخلة تتبنى أطروحة محددة، وتحترم في ذات الوقت لكل أطروحته. وإذ أعبر عن تحية تقدير خاصة لمجموعة الكتاب التي لمعت في السنوات الأخيرة على مواقع الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وقدمت بخصوص الإشكالات السياسية الكبرى للبلد كتابات رصينة ذات أساليب نثرية إبداعية، فإنني أعبر عن الاشمئزاز التام لما تميزت به بعض تلك الكتابات من لهجة تجريحية واستهداف شخصي، لا تليق بكاتب واثق من فكره ومن قدرة كتابته وأطروحاته على الحسم في دائرة الإقناع، قدر ما تليق بالملاكمين والدهماء ممن يعوضون ضعف عضلات الفكر بعضلات الجسد والشتائم.
وعلى هذا الطريق واستلهاما لما سبق، أعلن اليوم مراجعة جوهرية فيما تبنيته من مواقف في المجال الخاص بهذه الإشكالية. لقد خلصت في ضوء تجارب المسار الديمقراطي التعددي في بلادنا منذ العام 1991، وتجارب التغييرات الديمقراطية في إفريقيا وتجارب ما بعد ثورات الربيع العربي، وفي ضوء ما نراه عيانا من مخاطر استثنائية تتهدد وحدة وأمن واستقرار بلدنا، إلى تبني خيار الواقعية و"البرغماتية" السياسية القاضي بمنح الأولوية للتنمية والسلم على الشكل الفقهي الدستوري الجامد للتناوب، ضمن تحليل إستراتيجي يستند إلى ترتيب الأولويات داخل العقل السياسي الذي نفكر به.
وتنطلق الخلاصة المذكورة من جملة مستندات نكتفي في هذا المقال بالإشارة الإجمالية إلى بعضها، تاركين العرض التفصيلي لمناسبات أخرى. وتتوزع هذه المستندات إلى مجالين رئيسيين:
1 – المجال الخاص بالمتغير الخارجي: و بخصوصه نقول إن المسار الديمقراطي التعددي في موريتانيا لم ينطلق بالأساس من إرادة جماهيرية داخلية، تظاهرت وضغطت على النظام الحاكم عام 1991 وأجبرته على اعتماد الوثيقة الدستورية، وإنما هو مسار ديمقراطي أطلقه النظام بإملاء فرنسي وغربي، وبتحالف مع القوى القبلية والعسكرية التقليدية التي كانت المحرك الرئيس لطوابير المصوتين في مكاتب الاقتراع.
وإذا كانت رسالة المستعمر السابق في "قمة لابول" المكتوبة بالحبر على الورق قد حملت إلينا "المولود السعيد" للديمقراطية الدستورية التعددية، فإن الرسائل المكتوبة على الأرض بالجثث والدماء والفقر والمرض والقادمة إلينا هذه الأيام من "تعز" و"حلب" و"الفلوجة" و"القاهرة" و"طرابلس"، بعد مثيلاتها التي جاءتنا من مالي وساحل العاج وبورندي، لا تعد بثورات ديمقراطية حبلى بالحريات والتنمية والتقدم بل ترسل عواصف محملة "ببراميل" الدمار والموت والأفق المسدود، الذي لا يترك لك من مهرب سوى ركوب الأمواج نحو المجهول.
فعلى أي الرسالتين القادمتين من الخارج علينا أن نركز؟ تلك المكتوبة بلغة الحقوقيين وأساتذة القانون الدستوري ذات البنية المنطقية المميزة والتماسك البرهاني والإقناع الفكري العالي المستوى، أم تلك المعروضة بالصوت والصورة على مدار الساعة في التلفزيون ومواقع الانترنت، والمخيبة لكل آمال التنمية والسلم والحرية؟
أعتقد أن المنصف هو اختيار المنطقة البرزخية ما بين الاثنين، وحماية الاستقرار والسلم والتنمية في إطار من احترام الشكليات الدستورية والقانونية.
2 – البعد الخاص بالعلاقة ما بين الإطار القانوني الدستوري المجرد وما بين الممارسة السياسية العملية: وهذا هو الإطار الذي يتنزل فيه الجدل الدائر هذه الأيام حول الدستور وما إذا كان مقدسا أم لا، وما إذا كان من الجائز اعتماد دستور جديد أو تعديل المواد الخاصة بالمأمورية الثالثة. وهو الإطار الذي تتنزل فيه كذلك مسألة توازنات القوة الميدانية، ودور القبيلة والثروة والجيش والقضاء في تأمين القدرة السياسية للأطراف المختلفة. وهو الذي تتنزل فيه كذلك قضايا الفئات والأعراق والأقاليم كعوامل توتر وتهديد للاستقرار وعوامل للتحشيد الانتخابي.
وفي هذا السياق نذكر بالطرح القديم الجديد الذي يستند إلى أن المجال السياسي محكوم قبل كل شيء آخر بتوازنات القوة. والقوة في المجال السياسي هي مزيج مجموعة كبيرة من أشكال القوة، ليست قوة السلاح إلا واحدة منها. وهذه القوة السياسية الأساسية للحسم هي التي يسميها "ابن خلدون" "العصبية"، وهي اليوم تأخذ أشكالا جديدة، من أهمها القوة المالية والإعلامية والعسكرية. وقد ذهب ابن خلدون إلى حد القول بأن "الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم". فقل لي بربك إذا كان توازن القوة ضروريا للدعوة الدينية فكيف بالمشروع السياسي والترشح للرئاسة والبرلمان.
وعلى صعيد مسألة القوة السياسية المشار إليها، يمكن القول إن التحالفات والتعاضدات السياسية والاجتماعية والمالية والعسكرية يمكن أن تكون إيجابية وخيرة إذا أمنت التوحد في كيانها الداخلي وتبنت خيارات إيجابية تخدم المصالح العليا للبلد وللشعب، وقد تكون قوة مدمرة وشريرة إذا لم تنجح في تحقيق الوحدة المجتمعية أو فتحت الباب أمام عنف الشوارع وتشكيل الميليشيات المسلحة وتعدد الأيادي الحاملة للسلاح. وهناك خطر دائم في التحول من قوة إيجابية إلى قوة مدمرة وشريرة، بفعل المتغيرات الإستراتيجية الميدانية.
وعندما أحاول تنزيل هذا التحليل المجرد على واقعنا الحالي، يمكنني القول إن توازنات القوة المنظمة التي بإمكانها تأمين انتصارات سياسية إيجابية هي في جانب النظام. ولا يمكن افتراض أي تهديد جدي لهذه القوة سوى من خلال تمرد داخل المؤسسة العسكرية، وهو احتمال أصبح مستبعدا بالكامل من طرف أكثر الحالمين به، بالنظر إلى الفرص الكثيرة التي أتيحت لمثل ذلك الاحتمال دون أن يحدث، وبفعل تماسك التفاهم القائم بين النظام والقيادات العسكرية المسيطرة. ولم تعد توجد من قوة قادرة على التعبئة في مواجهة النظام سوى التحشيد الفئوي الذي بدأ يفقد بريقه في أوساط كوادر "لحراطين"، و هو ما تعكسه بوضوح نتيجة 8% التي حصل عليها زعيم "إيرا" في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
وفي الجهة المقابلة، عرفت السنوات الأخيرة تسارع وتيرة الترهل السياسي لأحزاب المعارضة. وبعد أن وجهت دورات الانتخابات الرئاسية في حقبة ولد الطايع ضربة قوية للأحزاب الإيديولوجية التقليدية، حيث تراوحت نسبها ما بين 2% إلى 4%، فإن رئاسيات 2007 و2009 هزت مصداقية المرشحين الأبرز للرئاسة في أوساط المعارضة، ولم تتمكن هذه القيادات التاريخية من خلق الشروط الكفيلة بظهور قيادات بديلة، ولا من مراجعة وضعيتها الإستراتيجية غير المواتية على نحو يضخ في أحزابها وتحالفاتها دماء مجتمعية جديدة.
وهذا الضعف في القوى المجتمعية الملتفة حول المعارضة هو الذي يضطر أطرافا منها إلى مغازلة الخطاب الحقوقي الفئوي والعرقي، وأحيانا أخرى الخطاب المدني الخاص بموضوع الأسعار ونحوها، وأحيانا أخرى المؤسسة العسكرية والشركاء الدوليين.
وفي ضوء الخلل البين في توازن القوة المذكور نعتقد أن على المعارضة أن تفتح عيونها جيدا على الواقع، وتتحرر من "الرومانسية الإيديولوجية" لمذاهب ثورية حملت برامج إصلاحية لمجتمعات أصبحت من الماضي، وتتحرر كذلك من "الجمود القانوني والدستوري" الذي بدأ أساتذة القانون الدستوري في كليات الحقوق أنفسهم يتحررون منه. إن الوضع الإستراتيجي لقطبي النظام والمعارضة يفرض على الأخيرة القبول بأحد احتمالين:
الأول: القبول بالمشاركة في حوار وطني يفضي إلى توافق الطرفين حول إصلاحات دستورية تلبي مطالب الجميع. والتوجه بعد ذلك إلى انتخابات تشريعية وبلدية، تعيد للمعارضة حقها في التمثيل البرلماني والبلدي. ويفترض بمثل هذا التوجه أن يقود إلى مشاركة المعارضة وفقا لحجمها التمثيلي في الجمعية الوطنية في حكومة شراكة وطنية، تحضر للانتخابات الرئاسية في أجواء خالية من التصعيد والتوتر.
الثاني: القبول بحق النظام في تسيير المسار الانتخابي دون تشاور في ظل فشل الحوار السياسي، والاكتفاء بالمعارضة من خلال صناديق الاقتراع والقنوات الشرعية والمفتوحة من قبل الحكومة.
وهذه الخيارات مطروحة وموجهة إلى تلك المعارضة التي تملك قدرا من الحكمة والمسؤولية والحرص على تجنيب البلاد الويلات التي تعيشها بلدان أخرى بسبب التناوب السياسي المأزوم. وأتحدث عن المسؤولية والحرص على المصلحة العليا للبلد إذ أن الجميع يعرف أن قوى المعارضة لا تتوفر على الدعم الجماهيري الكافي للحسم الثوري، وليس لها من بديل في الحاضر سوى استغلال شعارات الفئة والعرق التي تهدد النسيج المجتمعي أكثر مما تهدد النظام. وخارجا عن ذلك لا توجد من آلية لدعم مشروع رفض برنامج الأغلبية في التغيير السياسي والدستوري المحتمل سوى استجداء المؤسسة العسكرية أو التدخل الخارجي بالعقوبات ونحوه وهي كلها خيارات أنانية وسلبية.