جدول المحتويات
والواقع أن المعارضة قبل نشاطها الأخير في الداخل كانت تقوم بحبس أنفاسها ومراقبة عقارب الساعة وهي تخطو نحو انتهاء مأمورية السيد الرئيس الثانية والأخيرة. لكن الحديث عن مأمورية ثالثة كان كفيلا ببعث المعارضة من مرقدها. لتبدأ المعارضة التعبئة ضد نية النظام في الاستبداد بالحكم وتسويق خطابها القديم عن الفساد والفقر والبطالة وحكم العسكر، وبدوره قام النظام باقتفاء أثر المعارضة في الداخل من أجل تفنيد مزاعمها ونفض الغبار الذي أحدثه مرور المعارضة عن صورة النظام.
ومن هنا برزت متناقضة النظام والمعارضة، حيث يقول دعاة النظام إن ما سوى القرآن "يمكن تغييره" في إشارة ضمنية إلى تغيير الدستور، في حين تقول المعارضة بصريح اللفظ "إن الدستور خط أحمر" والواقع أن أيا من دساتير 1959 و1961 و1991 و2012 لم يكن "خطا أحمر" وإن كانت جميعها دساتير جامدة، لكن حتى الدساتير الجامدة يمكن تعديلها و"إن بمسطرة خاصة وأكثر تعقيدا من تعديل القوانين العادية" بيد أن المادة 99 قررت نوعا من الحظر يسمى الحظر الموضوعي شمل عدد مرات انتخاب الرئيس، حيث عددت الأمور التي لا يمكن تعديلها والتي منها أن "مدة ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة".
وإذا كانت المادة 99 قد نصت صراحة على عدم جواز تعديل الأحكام المتعلقة بعدد مرات الانتخاب فإن جانبا من الفقه يرى بأن هذا النص الدستوري على عدم تعديل الدستور مخالف "لمبدأ سيادة الأمة" ذلك المبدأ الذي يعتبر هو ركيزة الديمقراطيات الحديثة، وانطلاقا من ذلك يعتبر هذا النوع من الحظر "باطلا من الناحية السياسية و القانونية" ما دام يخالف الإرادة الجمعوية للأمة.
وبغض النظر عن القيمة القانونية والسياسية لهذا النوع من الحظر، كيف سيقوم النظام بتغيير هذه الفقرة في ظل المادة 29 التي يتضمن اليمين المدرج فيها أن السيد الرئيس لن يقوم بزيادة عدد المأموريات المقررة بموجب الدستور، أم أنه في السياسية "لا اعتبار للأيمان" كما رجح حماة الفضيلة.
لقد فرق أهل القانون بين الحقيقية القانونية والحقيقة الواقعية، هنا أيضا يجب أن نفعل المثل، ونكون أكثر صراحة وواقعية، فالواقع أن هذا النظام الذي يوصف بأنه "فعال لما يريد" لن يمنعه شيء إذا أراد تغيير بعض أحكام الدستور، وبالنسبة للمعارضة لا تملك أي وسيلة من وسائل الضغط في ظل دعوة النظام إلى الحوار، فأي شيء يريد النظام أن يقنع به المجتمع الدولي ما عليه سوى عقد بعض الاجتماعات في "قصر المؤتمرات" وتمرير رغباته على أنها "من مخرجات الحوار" وإن كان هناك انتخابات أو استفتاء فأقصى ما بيد المعارضة هو المقاطعة "تم في بيتك"، ولقد رأينا سابقا أن مقاطعة الانتخابات لم تؤثر في سيرها، بل غيبت بعض القوى المعارضة وشلتها.
ثم إنه من الجميل أيضا أن نحترم القيم الديمقراطية، وندعو إلى احترام الدستور، والمؤسسات المقررة بموجبه، لكن من الجميل أيضا لو أننا لم يسبق و أن تأولنا للمارقين على الدستور بوصف فعلهم "حركة تصحيحية" كذلك أيضا كيف ندعو نظاما لا نعترف بشرعيته إلى احترام الدستور؟
والرهان الأكبر بالنسبة للدول النامية هو "الاستقرار السياسي" بغض النظر عن من يحكم، مع الحاجة الماسة إلى نشر قيم العدالة و المساواة. وإذا نظرنا إلى واقعنا لأدركنا أننا نتجاوز الحد في كل شيء، في الحرية، في التعددية الحزبية، في المعارضة، في الموالاة، و حتى في النمط الولائي الذي يصل إلى التقديس.
وحسب رأيي أنها مسألة وقت حتى نرى المعارضة تقدم تنازلات من قبيل "منا أمير و منكم أمير" حتى تصل "منكم الأمراء ومنا الوزراء" إلى أن تتنازل حتى عن الوزارة، في ظل نظام سيكون الوزراء هم كل شيء فيه، فحسب اعتقادي أن النظام بدل زيادة مأمورية ثالثة سوف يقوم بتغيير النمط السياسي بطريقة يبقى بها الحال على ما هو عليه مع تغيير "شكلي" .
والدستور في مجمله تعبير عن سيادة الأمة وواقعها المتغير بفعل الحركة الزمنية، وفي الأخير ليس من صالح الدستور أن يكون خطا أحمر لأن الدستور الذي لا يسمح بإجراء تعديل لأحكامه يقضي على نفسه مقدما بالسقوط عن طريق الثورة أو الانقلاب، كما يقول الأستاذ لافريير.