تخطى الى المحتوى

اللامركزية بين مطرقة الاستهداف وسندان الوصاية

جدول المحتويات

 

وبهذه المناسبة أعلن بصفتي الشخصية عن تضامني ووقوفي إلى جانب الزميل جارا وتنديدي بكل التجاوزات المقترفة في حقه وحق المجلس البلدي الموقر الذي يرأسه أيا كان مصدرها أو دافعها، وأدعو كل أصحاب الضمائر الحرة عمدا كانوا أو مستشارين أو غيرهم إلى التضامن معه والشجب لما حاق به ولئن كانت الاستقالة في حد ذاتها ممارسة ديمقراطية أصيلة للاعتذار عن خطأ ما أو الاحتجاج علي ممارسة مموجة – كما هي حالة الزميل – فإنها ليست بالضرورة أمضى سلاح لمواجهة "أوليكاريشيا" المحسوبية وإساءة النفوذ التي تشكل بيئتنا الإدارية المترهلة الخميرة الملائمة لتكاثر وتفريخ المزيد من طفيلياتها المتسلقة التي تمد أذرعها الأخطبوطية في كل اتجاه محاولة خنق أو التهام أي شيء قد يعترض سبيلها المعوج دوما أي كان هذا الشيء بشرا أم حجرا.

 

إن سياسة المقعد الفارغ وإخلاء الطرف هي غاية ما تتمناه تلك القوى الرعديدة التي اعتادت الضرب الجبان في الظلام بعدما عجزت عن المواجهة تحت الشمس وخذلها "الصندوق" فراحت تركل من الخلف من هم في موقع المقدمة.

 

إن النضال السلمي وسياسة النفس الطويل والتترس بشرعية الصندوق ثم مشروعية الانجاز علي الأرض – برغم المعوقات والمطبات – هي أنجع الأدوات لمواجهة تلك القوى الارتدادية التي تريد لهذا الشعب المصابر أن يظل أسير حساباتها الضيقة وألاعيبها المخاتلة و التي ما عادت تنطلي على أحد.

 

لقد آن للحكامة البلدية وهي التعبير الأسمى عن اللامركزية أن تشب عن الطوق – في نظر هؤلاء – بعد مرور أكثر من ربع قرن من الزمان على إنشائها لتخرج من ضيق الحجر والوصاية إلى سعة الرشد والاستقلالية، فلم يعد من المقبول ولا المستساغ بعد مرور كل ذلك الوقت وتراكم ذلك الكم الكبير من التجارب والخبرات الإدارية والتسييرية أن تظل المجالس المنتخبة – وقد حازت ثقة الشعب وأفصحت في برامجها و مشاريعها التنموية عن آماله وطموحاته المشروعة في غد أفضل – رهينة لتقلبات الأمزجة الشخصية والأهواء العابرة والتعليمات الموجهة الصادرة من هذه الجهة أو تلك المستغلة لسلطة "تأويل المصدر" في اللبس والغموض المتعمد أحيانا لمفاهيم إدارية فضفاضة من مثل: سلطة الوصاية، الوصاية الإدارية، مراقبة الملاءمة، الصالح العام، ارتكاب خطأ كبير… وغيرها من المفاهيم الملتبسة لتعطل أو تربك عمل المجالس البلدية أو تؤثر على استقلالية قراراتها وسير مداولاتها، حيث لم تكتف تلك السلطة بممارسة ما يسمي بالرقابة القبلية على عمل المجالس البلدية بل تعقبتها بالرقابة البعدية أيضا ثم أعفت نفسها من إلزامية التعليل وتوضيح الأسباب عند رفضها لمداولات تلك المجالس تاركة باب التأويل مفتوحا على مصراعيه متجاهلة حقيقة أن تفسير القانون أو تأويله هو جزء من القانون نفسه، وأن من حق المجالس البلدية الوقوف على الحيثيات القانونية التي سوغت لجهات الوصاية رفض مداولاتها ومقررتاها وليس مجرد الاكتفاء بالتعويذة المقدسة والمعتادة في آن لتلك الجهات وهي "يجب التقيد بالنصوص القانونية المعمول بها" وهو تحصيل حاصل لا يعفي من غائلة الاستهداف واحتكار سلطة التأويل.

 

لقد كرر المشرع في القانون الأساسي المنشئ للبلديات والمعدل بالأمر القانوني رقم: 87 – 289 الصادر بتاريخ: 20 أكتوبر 1991 و غيره من الأوامر القانونية مصطلح الوصاية أكثر من 30 مرة، وكأنه سيف مصلت على رقاب المجالس البلدية يذكرها في كل مرة بهشاشة الصلاحيات المخولة لها وقابليتها للاسترجاع في كل مرة يتعكر فيها صفو المزاج مع جاهزية سلطات الوصاية دوما للحلول محلها كلما ارتأت سلطتها التقديرية ذلك، ضاربة الصفح عن المصطلح الصحيح والأسلم من الناحية القانونية والتشريعية وهو مراقبة المشروعية فالمجالس البلدية هي في النهاية مجالس تشريعية منتخبة ومن غير اللائق وفق الأعراف الديمقراطية الحديث عن وصاية عليها لغير الجهات القضائية التي نص عليها الدستور لمراقبة مشروعية قرارات الجهات المنتخبة ومدى مطابقتها للقوانين المعمول بها أحرى أن تخضع للوصاية من جهات قد لا تكون مخلولة لذلك أصلا وأثبت مضمار التجربة شطط البعض منها في استغلال النفوذ والمركز وهو ما يعد مخالفة صريحة يُعاقب عليها بنص القانون ومن مظاهر هذا الحيف وعدم التوازن في العلاقة بين الجهتين، وكما هو في حالة الزميل المستقيل من روصو اشتراط القانون قبول وزير الداخلية واللامركزية للاستقالة أو مضي شهر على إرسالها إليه مجددا بواسطة البريد المضمون كما تنص علي ذلك المادة (42) من القانون المنشئ للبلديات، وهو ما يعد في نظرنا مساسا بحرية الاستقالة التي هي حق تكفله كل القوانين للمنتخب أو الموظف للتعبير عن رغبته في ترك المنصب الانتخابي أو الوظيفة بصفة نهائية دون ربط ذلك بموافقة أي كان.

 

وقد تفادي المشرَع المغربي (المجاور) من واقع التجربة والخبرة هذا القيد الخانق حين اعتبر استقالة العضو الجماعي (المستشار عندنا) نهائية ابتداء من تاريخ إعلان استلامها من طرف الوالي أو العامل أو مرور 15 يوم على تجديد الطلب في رسالة مضمونة.

 

لقد خص الدستور الموريتاني المجموعات المحلية بباب كامل هو الباب العاشر منه وعرفها "بأنها هي البلديات والوحدات التي يمنحها القانون هذه الصفة" ونص في المادة (98) "على تولي إدارتها من قبل مجالس منتخبة وفق الشروط التي ينص عليها القانون" وهو ما يعني ضمنيا توفر تلك المجالس على الضمانات الدستورية الضرورية لاستقلال قراراتها وحماية خياراتها ما دامت منسجمة مع القانون ومن ثم يصبح أي حديث عن الوصاية الإدارية عليها خارج مراقبة المشروعية تناقضا صارخا مع روح اللامركزية الإدارية ومقتضياتها كما عرفها (HIWAIT) "بأنها نقل السلطة تشريعية كانت أم اقتصادية أم تنفيذية من المستويات الحكومية المركزية إلى المستويات المحلية الأدنى للناخب (بمعني الأقرب)".

 

لقد آن الأوان للإدارة أن ترفع يدها المدنية عن المجموعات المحلية وتقتنع بأنها قد بلغت مرحة النضج والحكامة الرشيدة لتدفع إليها وقد آنست منها ذلك الرشد صلاحياتها كاملة تشريعا وإدارة ومالا، ولن يتأتى ذلك إلا عبر مراجعة جذرية وشاملة للقانون الأساسي المنشئ للمجموعات المحلية بعقلية إدارية منفتحة وديمقراطية تستبطن الإصلاح والتطوير لافتكاك حالة الاشتباك الوظيفي القائمة بين المنتخب المحلي وممثل السلطة المركزية المعين وهي عملية المراجعة الشاملة التي سبق وأن طالب بها العديد من المنتخبين المحليين في أكثر من مناسبة ولقاء مع جهات الوصاية وغيرها وآزرهم فيها قلة من الباحثين والأكاديميين المهتمين بالمجموعات المحلية من أضراب الدكتور المؤلف: أحمد محمد السالك الداه والذي نشاطره الرأي في الكثير مما طرحه في كتابه الجدير بالمطالعة "اللامركزية الإدارية ومطلب التنمية المحلية – النموذج الموريتاني – عن واقع اللامركزية ومعالم الإصلاح المنشود هذا الإصلاح الذي لن يكون ناجعا ونافعا ما لم يشمل في نظرنا المحاور الآتية والتي تمثل مكامن الخلل ونقاط التوتر التي هي في حاجة للعلاج السريع:

 

  • النص قانونيا وبصفة واضحة على تمتع المجموعات المحلية بالشخصية القانونية والاستقلال الإداري والمالي.

 

  • تضييق مجالات الوصاية وتحديد صلاحياتها التي تشمل كل شيء ابتداء من تسمية الشوارع والبنايات وحتى إقالة المجالس البلدية وتجيير صلاحيتها لصالح سلطة الوصاية وجعل دورها يقتصر على مراقبة المشروعية فقط.

 

  • التنصيص على الأهداف العامة لسلطة الوصاية (سلطة مراقبة المشروعية كما تقترحها) وجعلها تتمحور حول التقيد بالقانون وحماية الوحدة الترابية والمحافظة على أمنها وسلامتها ومساعدة المجموعات المحلية في أداء مهمتها.

 

  • ضرورة النص على إلزامية التعليل في قرارات سلطة الوصاية (مراقبة المشروعية) المتعلقة برفض مداولات المجالس البلدية.

 

  • النص الصريح علي مشروعية الموافقة الضمنية – في حالة سكوت الوصاية وتحديد آماد زمنية قصيرة للرد المعلل على المداولات المسكوت عنها.

 

  • إصدار المراسيم التطبيقية الخاصة بالشرطة البلدية المنصوص عليها في الباب الثاني من الأمر القانوني: 87 – 289 ومواده: 55 – 56 – 59 ففي حين جعل القانون العمدة مسؤولا عن الحفاظ على النظام والأمن والصحة السكينة والأخلاق العامة لم يخوله بمرسوم تطبيقي أي صلاحية أو حق في الاستعانة بأعوان الأمن بالقيام بتلك الأعباء وجعل استدعائهم من الاختصاصات الحصرية لممثل الإدارة المركزية محليا (رئيس المركز الإداري، الحاكم، الوالي…) وهي ثغرة قانونية بينة لها تداعيات سلبية جدا على أداء العمد و المجالس البلدية.

 

  • رفع ميزانية الصندوق الجهوي لدعم البلديات حتى تتمكن المجموعات المحلية من رفع التحديات التنموية العديدة التي تواجهها على أكثر من صعيد وفي غير مجال وفي هذا السياق لا بد من تثمين الخطوات الأخيرة التي قامت بها الوزارة الوصية فيما يتعلق بمراجعة معايير التوزيع الخاصة بهذا الصندوق والتي كانت موضوعية ومنصفة إلى حد كبير.

 

  • وضع إطار قانوني للوظيفة العمومية المحلية التي ظلت تسير لحد الآن بمنظومة تشريعية متقادمة تعود إلى السبعينيات من القرن الماضي وتجحف بعمال وموظفي هذه المجموعات وتحرمهم من الكثير من المزايا والترقيات الوظيفية رغم وجود النية وقيام الإرادة لدى الكثير من المجالس البلدية لتطوير تلك الوظيفة إلا أن المنظومة التشريعية المتخلفة قانونيا التي تحكمها ظلت تغل الأيدي عن فعل الكثير لها وهو ما تعترف به جهات الوصاية نفسها في دوائر معينة قد لا تمتلك الأداة التنفيذية الضرورية لإحداث النقلة التشريعية المطلوبة.

 

هذه بعض الرؤى والأفكار التي أعتقد أن الكثير من الزملاء يشاطرونني الرأي بشأنها، وأرجو أن تكون فاتحة حوار جاد ومثمر حول هذا الجرح النازف منذ بعض الوقت، وقد آن لمن يهمه الأمر أن يضع عليه الضمادات والمراهم الملائمة بلغة متعهدي الوصاية حتى يلتئم.

 

الأحدث