جدول المحتويات
عرفت هذه البناية حلقات من تاريخ المذرذره… و تعاقبت علي فنائها و دكاكينها الضيقة صنوف من البشر… بعضهم يبيع اللحم و بعضهم يبيع الخضروات… بعضهم ألف المكان و أدمن التردد عليه كل صباح ليتواصل مع الآخرين و يلتقط آخر ما أتحفهم به القادمون من انواكشوط و من روصو، من أخبار فلان أو فلان…
بعض النساء العجائز يعمرن محلا بجانب ''المرص'' ليوهمن أنفسهن أنهن تاجرات و ما هن بتاجرات و ليست لهن بضاعة تذكر… فرصة لمقاومة الشيخوخة و عدم الرضوخ للأمر الواقع !
"مرصة المذرذره" لم تكن في يوم من الأيام سوقا بالمفهوم الاقتصادي المألوف! انها مجرد بناية صلبة من الأسمنت المسلح، اصفرت جدرانها علي مر الأيام لما ''تعاقب عليها من جنوب و شمأل'' و لكنها تختزل في طياتها فصولا من تاريخ عاصمة ايكيدي التليدة …
كانت تتصدر المشاهد كلها و قد زارها أو مر بقربها أمراء و قضاة و علماء بارزون و أناس بسطاء طيبون… كل لبنة منها تذكر بشخص عزيز أو بموقف طريف…
كنت كلما زرت المدينة، أقوم بواجب المرور من أمام البناية لأقتنع أني في المذرذره حقا… و أعرج بضعة أمتار منها، علي دار أهل "الطار جوب" للترحم علي الوالدة "مضم" التي كانت تقدم لي الشراب البارد في أوقات "الراحة" و أنا اذ ذاك أدْرُسٌ في الصف الثالث في غرفة من دار أهل سيدى ولد سيدى المجاورة…
أمضي دقيقة واقفا أمام 'تلك البناية للترحم علي الوالدة الفاضلة آمنة منت الناجي التي كانت تغمرني بحنانها و تحتسبني ابنا لها…
أترحم علي ابيليل، ذلك الشيخ المسالم الذي كان يتخذ من الركن الشرقي من ساحة ''المرص'' مقرا دائما لتجارته الافتراضية…
و لا أفوت فرصة زيارة الساحة الجرداء الواقعة جنوب "المرصه" حيث كان القاضي الورع حامد ولد ببهايعقد جلساته (و كلها علنية)، فأتذكر رجالا كانوا يملؤون المكان بركة و علما و أدبا و طرافة، في تكامل بديع بين "الديمين" و "اتمحصير" مازالت أتخيل أن رائحته تنبثق من ذلك المكان…
تلك هي ''مرصة" المذرذره التي عرفتها و التي ستبقي عالقة بذاكرتي …
أما الآن، فقد اتخذت سلطة ما قرارا بهدم البناية و طرحتها الجرافات أرضا في استهتار و احتقار للتاريخ و حجب للذكريات و تحدى للتاريخ… قالوا إن مقاولا "محظوظا" سيبني "مرص" جديدة ! و هل المذرذره اليوم بحاجة الي "مرص" جديدة و هي المكان الوحيد علي سطح المعمورة الذي لا يباع فيه شييء و لا يشتري ؟
من يتحمل هذه المسؤولية التاريخية و علي من أعتب ؟ علي بلدية عاجزة عن أداء أبسط مهامها ؟ أم عليمنتخبين كلهم "بما عنده رام السلامة و اعتزل" ؟ أم علي جماعة حل و عقد لم يعد لها وجود إلا في مخيلة الشعراء الواهمين ؟
لك الله يا مدينتي الحبيبة ! لقد تعودت علي البتر منذ زمان : اقتلعوا منك أرض "شمامه" الخصبة و أسسوا مقاطعات "اركيز" و "كرمسين" و "واد الناكه" من رحمك… شجعوا قيام قريات و تجمعات فوضوية حواليك لتنخر جسمك المنهك بعاديات الزمن…
و اليوم، هدموا آخر أوراقك الثبوتية و كأن شيئا لم يكن… و بعد حين، ستستقبلين موكبا وزاريا بهيجا يأتي لتدشين بناية "المرصَ الجديد لمدينة المذرذره''… فهنيئا للمقاول و عزاء للتاريخ !