تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

استطاع الرجل أمام معارضة شاخت أفكراها كما شاخ بعض رموزها ووهن عضدها وافتقدت روح الإبداع وخلق آليات نضالية تناسب المرحلة وترتفع لمستوى التحدي، أن يجرها من خلال اتفاق داكار إلى انتخابات تعرف قبل غيرها أنها الخاسر فيها وأنه الفائز.

 

هكذا تربع الرجل على عرش السلطة مستندا على شرعية انتخابية ظن أنها تجٌب جريمة اغتصاب السلطة في وضح النهار، واغتر الرجل كما اغتر سابقوه بجموع جماهير مغفلة تهتف باسم "رئيس الفقراء" على وقع شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد وتوزيع ما توفر من عدالة مفقودة بين المواطنين كما توزع أسماك الـ"ياي بوي" المتعفنة..

 

بعد مضي المأمورية الأولى تفاجأ الموريتانيين أنهم انخدعوا برجل استطاع أن يدغدغ مشاعرهم بإسماعهم ما يحبون دون أن يفعل الحد الأدنى من ما يحتاجون رغم ذلك استطاع الرجل أن يجدد مأموريته منفردا بعد مقاطعة المعارضة للانتخابات الرئاسية، مقاطعة لم تكن كافية لنزع الشرعية السياسية عن الرجل في دولة لا يعير شعبها كثير اهتمام للشرعية السياسية ولا للشرعية الدستورية بقدر ما يعترف بكل من و صل للسلطة مهما كانت وسيلته في ذلك وذلك أمر يعرفه محمد ولد عبد العزيز تماما فأطلق يده في ثروات البلد نهبا و بيعا بأبخس الأثمان للأجانب فتكشفت فضائح فساد كثيرة وكبيرة ومرت دون محاسبة، مما يعني أن عائدات ثروات البلد الطبيعية قد تم تبديدها بشكل مخيف انعكس على واقعه الاقتصادي والاجتماعي، شركات كبيرة تنهارـ شركة اسنيم مثلا وبناتها ـ وعمال بالمئات يسرحون بشكل جماعي مما يزيد من ارتفاع نسبة البطالة في البلد ليجد مئات الأسر أنفسهم بلا مصدر للدخل في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية وفي ظل تخلي الدولة عن تحمل مسؤوليتها اتجاه المواطن وتوفير أمنه الغذائي كعنصر مهم من أجل الأمن العام.

 

جيش من العاطلين انضاف إلى جيوش من حملة الشهادات والشباب المطحون بجحيم البطالة لا يرى أملا قريبا في حل مشاكله.

 

ارتفاع جنوني للمحروقات رغم انخفاضها إلى مستوى 30 دولارا للبرميل عالميا ورغم انخفاض نفس المادة في دول الجوار مرات ومرات في تجل صارخ لعدم مسؤولية الدولة وكأن كل ما يهم القائمين عليها هو تحصيل المال حتى ولو كان من جيوب الفقراء الذين لا دخل لهم لتنضاف تهمة الإهمال تلك إلى تهم كثيرة بتخل الدولة عن مسؤوليتها اتجاه المواطن فيها كالصحة والتعليم والأمن.

 

في ظل هذا التأزم والتدهور المخيف في قدرة أو إرادة الدولة في مواجهة التحديات بفعل الفساد المستشري والذي لا يبدو أن معترضا يعترضه ولا أن رادعا يردعه تبرز مشكلتا الانهيار الأمني وفضيحة المخدرات.

 

الانهيار الأمني: ظلت السلطة إلى عهد قريب تعتبر استتباب الأمن أحد أهم إنجازاتها وورقتها الرابحة للمساومة الخارجية وعامل ضغط مهم يجعل موريتانيا أحد أهم مرتكزات أي ترتيب خارجي يستهدف محيطها الإقليمي، لكن ظهور عصابات مسلحة ومدربة تعتدي على المواطنين فتسلبهم ممتلكاتهم وأرواحهم بل وتسطوا ـ بشكل استعراضي ـ على منشئات عسكرية وتسلب أموالها، وهروب السجين السلفي المحكوم بالإعدام بتخطيط وتنفيذ خلية متشددة تتبع لتنظيم الدولة الإسلامية ـ التنظيم الأحدث والأخطر ـ من ثم لا حقا هروب العشرات من المدانين في جرائم الحق العام من السجن أمور جعلت دعاية الأمن وقوة الأجهزة الأمنية تفقد بريقها بعدما أصبح المواطن مهدد في أي لحظة في حياته ورزقه و كأن المصائب لا تأتي فرادى وتكشف أيضا أن خطر تلك الجماعة محدق وأن ما يمنع أن تضرب ـ لا قدر الله ـ ضربتها الكبرى ليس يقظة و كفاءة أجهزة أمننا و إنما أمور أخرى لعل وثائق المخابرات الأمريكية المسربة حديثا تكشف بعض جوانبها.

 

الظهور المفاجئ لشبكة المخدرات والحقيقة أن ظهورها لم يكن مفاجئا للمتتبع لمسيرة تلك الشبكات والتي بدأت مع مسيرة النظام الحالي وكأن حلفا سريا موقعا بين الاثنين، فقد أعلن في مرارات كثيرة عن اكتشفا شبكات لتهريب المخدرات والاستحواذ على كميات كبيرة من أنواع مختلفة من المخدرات هذا عدى معدات (طائرات، سيارات…) لكن سرعان ما يتم صرف أنظار الرأي العام عن كل ذلك بشكل مريب ليتم في النهاية إخلاء سبيل المجرمين وتأخذ المضبوطات مصيرا مجهولا، فلا يمكن أبدا تفسير إخلاء سبيل بارونات المخدرات وتعطيل ملفاتهم إلا في إطار اتفاق ملزم من جهة نافذة بتأمين سلامة الضالعين من المتابعة القضائية.

 

أمام هذه الأوضاع والتحديات الكبيرة التي تواجه بلدنا في ظل سلطة غارقة في الفساد حتى أوداجها، وفي ظل انهيار أمني غير مسبوق، ووضع اقتصادي متدهور وظرف معيشي صعب يجعل المواطن في حيرة من أمره، في ظل بيئة خصبة لنمو شبكات الإجرام المختلفة بما فيها التحدي العالمي الأكبر (الإرهاب) لا يمكن للمرء أن يجزم أن البلاد بخير وهو ما يدعو بقوة إلى البحث الجدي عن حلول جذرية تنتشل البد قبل فوات الأوان ولن يكون هناك حل أفضل من رحيل أو ترحيل نظام هو المسؤول الأول عن كل ما يحدث وهي مسؤولية تقع على الأحزاب السياسية كقوى منظمة قادرة على التغيير متى استطاعت أن تتخلص من عوائق التغيير ومعوقات العمل النضالي المثمر بين صفوها وهي كثيرة بكل تأكيد.


 

الأحدث