جدول المحتويات
ومن ذا الذي يشك في حريتنا اللفظية ومشتقها الإعلامي المستمد كل جزالة لغته ورصانة أسلوبه واقتداره على تمرير الرسائل وتلقف ردود الفعل عليها من مرابع الشعر اللهجي الحساني الذي جمع قوة وحسن بيان اللغة العربية مع فسحة الإبداع التي أتاحتها البداوة بكل إكراهاتها التي منها وهي ليست بالدون منها الحربائية والمكر والغدر والمسكنة حين الضعف والشدة عند القوة من ناحية كما أتاحها أدبها بانسجامه مع الغناء حتى دعي "لغن" وموسيقاها بعمق معنى "أزوان" وهما اللذان هيأهما طالع البداوة بنقائها وقساوتها ورحابتها وإلهامها الطافح إلى حمل رسالة الحرية الإعلامية.
وهل يستغرب بكل ما تقدم أن تظل الأمور تراوح مكانها كسل ومراوغة وحرية لفظية مفرطة واحتمال الأذى المرحلي للانقضاض الذي يحمل أسبابه هدوء العصف قبل اشتداد القصف؛ وإن لأهل البلد في ذلك حياة مرتضاة وأسلوبية منتقاة، الكل لها قد شد الحزام ينظر مستسلما ومتأهبا في تناقض غريب ما تحمله الأيام.
فمن يشك في أن الأمر يكمن كله في أن لشعب هذه البلاد خصوصياته وميزاته وإن لم تصادف في الغالب هوى الراغبين في التحول واعتلاء قطار العولمة السريع؟
2. الغرورية نزعة تشل نبض الأمم
ولأن الغرورية هي النزعة لتبني آراء إيجابية حول الذات وتعزيزها، الأمر الذي يتضمن على العادة رأيًا محابيًا للذات بشأن السمات والأهمية الذاتية سواء تعلق الأمر في ذلك بالناحية العقلية أو البدنية أو الاجتماعية أو غيرها، فإننا حتما مجتمع تعاقر غالبيته الكبرى هذه الصفة المدمرة لكل أسباب النزاهة الفكرية والعشرة في مفهومها الإنساني والصادقة على خلفية تقاسم الموجود وسعي الجميع معا للحصول على المفقود. صفة يلازمها رغما عن صاحبها العزوف عن الإنتاج والبناء والتقاسم والتلاحم والتواضع. والشخص المغرور يكون لديه شعور غامر بمركزية الذات، أي بسماته الشخصية.
ولأن الغرورية بكل هذا تعني أن يجعل الإنسان من ذاته مركزًا لعالمه دون الاهتمام بالآخرين، بما في ذلك من يحبهم أو يعتبرهم "مقربين"، إلا في الإطار الذي يحدده هذا الشخص، فإن معظم أهل البلاد في أودية شتى و على مسافات متباعدة في فضاء إنكار الآخر وإقصائه.
هي "الغرورية" التي تغذيها مفاهيم العشائرية الضيقة و القبلية التراتبية في عصبها والطبقية في اتساعها والتي تقف مانعا أمام رفع قواعد بناء الأمة وحاجزا أمام قبول الاقتباس الإيجابي من فلسفات ومنهجيات الأمم المتقدمة من حولنا وقد تجاوزت عقدة الغرورية المدمرة.
فهل نستجيب قريبا لصوت الضمير المتيقظ ونغير ما بأنفسنا التي لا تستطيع أن تطاول الجبال الشم ولا أن تخرق الأرض التي بسط الله وأعطى الإنسان أن يمشي في مناكبها وعسى الله أن يغير ما بنا له الأمر من قبل ومن بعد وهو على كل شيء قدير؟
كل المؤشرات توحي بأن الأمر ما زال بعيد المنال وأن الآذان عن ذلك في صمم.
3. واقع النشاز
ما زلنا إلهي…
بعيدين كل البعد عن مصاف الأمم
وما نزلنا عاجزين عن اللحاق بالركب
وما نزلنا مسترقين النظر والسمع إلى أحوال غيرنا في تقدمه المضطرد
وما زلنا غير جادين في مسألة الالتحام بمركبة التقدم والعولمة
وما نزلنا لا نعلم حجم خور عزائمنا وضعف إيماننا بالوطن الذي يؤوينا و يحمينا ويسعدنا
بلى! وإنه لمن بعد مرور خمسة و خمسين عاما على نيل البلاد استقلالها ما زلنا نفتقر إلى أكثر علامات التمدن و الانفتاح شيوعا وانتشارا كالمطارات والطرق والكباري وجسور المشاة والأنفاق المخففة زحمة المرور والعمارات الشاهقة والأسواق الانسيابية ومحطات الوقوف ومقاهي الانترنيت والمطاعم السريعة ولا مركزية الخدمات الإدارية التي ترتبط بها الحياة اليومية.
إننا نضحك كثيرا ونفرح كالأطفال وننظم الرحلات لكل إنجاز من هذا القبيل ولو كان مهما وكأنه هدية من السماء لا واجبا في سياق البناء وجزاء كسلنا ولا مبالاتنا لا حق الوطن على أبنائه أن يظهر بما يليق بمقامه.
إلى متى نظل بلا حراك والعالم يدور من حولنا؟
إلى متى يظل فكر "السيبة" يشدنا إلى الخلف ويشل طاقاتنا الدفينة في أعماقنا؟
إلى متى نظل كسالى لا نبني؟
وطامعين بأيد ممدودة إلى كل سهل ولو حراما؟
ومحدقين بأعين تعميها أمراض القلوب عن واقعها وتدميها بسياط الإحساس المرير بما ليس لها؟
أو لن نستجيب لعمر الخيام وهو ينشد:
هبوا املئوا كأس المنى قبل أن تملأ كأس العمر كف القدر
4. الأبيض والأسود في عصر الألوان
كلما تحولت بجهاز التحكم عن شاشات قنواتنا التلفزيونية الباهتة، والموغلة في التخلف وعمى الألوان عن الجمال الذي أوجدته الحداثة والعبقرية المتحررة من جمود الظلامية، من خلال ما تبثه هذه القنوات من صور ومشاهد مجتزأة من البادية الجرداء وفوقها النوق الهزيلة بلا سنام وبعض عشب خريف قديم، فتحول بالريموت كنترول إلى أخرى عالمية تضج بالحركة المدنية الفائقة الجمال والنظام والبديعة الألوان والأشكال والناطقة بالإبداع، أحس بانقباض شديد بداخلي وضيق مزمن في التنفس ورغبة في التقيئ و البكاء.
بون شاسع بين أجزاء الرحلة البصرية الخاطفة من الأبيض والأسود إلى مهرجان وكرنفال الألوان الطافح بالحركة والانسيابية العارمة. تخلف يشبه الموت عندنا، وحراك وبهجة تتقمص الحياة بعيدا عنا.
أهو قدرنا أن نظل هكذا ولا نشعر من كبر واستعلاء وادعاء بالسمو والرفعة والتميز والنبوغ والعبقرية والفصاحة والذكاء والإبداع والجمال؟ والحقيقة المرة أننا مجردون من كل هذا وأن حكمنا على أنفسنا بما اقترفنا وأجرمنا عليها هو فقط حكم واقعنا الذي لا نراه من عمى وصلف.. الضعف وإدمان مغالطة الواقع التي تفتحها واسعة أبواب التخلف عن ركب مسار التقدم والرفعة!