تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

ومع الأسف تطبع رداءة الذوق وسوء الاختيار كثيرا من مظاهر حياتنا البسيطة، العامة والخاصة، فتفسد ما لا فائدة من فساده، وتدمر ما يصعب إصلاحه ويكلف من الزمن والجهد الكثير.

 

فهناك حالات مذهلة ومؤلمة متزايدة من رداءة الذوق وضحالة المعرفة أصبحت تهدد السكينة العامة، وتسيء إلى الأخلاق وإلى المقدسات، وسببها الفوضى السائدة التي تطبع مجالات الأنشطة التجارية والاقتصادية والإعلامية. مع غياب وإهمال الجهات المختصة الكثيرة المعنية بهذه الأمور، والتي لا تحَـس ولا يُسمع لها ركزا.

 

فمن المظاهر المسيئة والذنوب القبيحة ما يتردد في وسائل إعلامنا العامة والخاصة من انتهاك لأبسط قواعد اللغة العربية التي هي ـ على الأقل ـ اللغة الرسمية بأمر الدستور.

 

لا أقصد هنا فقط ما يعيثه فيها المذيعون والمعلقون من الفساد الذي تجاوز خرق القواعد البسيطة إلى خلط الأحرف وحَـش الحرب بينها بِعُـدوان بعضها على بعض؛ ليس فقط بين حرفي القاف والغين والضاد والدال ـ فذلك داء عم وطم ـ بل لدينا مذيعون سدت أنوفهم دون الميم فأربحوا حتى جعلوا الملايين "بلايين" والكلمات "كلبات"، وزلزلوا الأرض ليجعلوا "ألبانيا" مكان ألمانيا… الخ.

 

ما أعنيه هنا هو إعلانات تجارية بلغة لا يمكن وصفها إلا بالعدوان والتحدي للذوق والكرامة… والقانون، مثل إعلانات بعض شركات الاتصال المزعجة بلغتها الركيكه وقواعدها المدمَّرة، مثل "بأربعُمائة" و"بثلاثون" و"بعشرةُ آلافٌ" و"لا تفوتكم" الفرصة… الخ. ولو أن هذا يقع مرة أو بضعة مرات فقط لهان الأمر وانكشف الإمـر، ولكن المصيبة هي أن هذه الإعلانات المسيئة تتكرر يوميا عشرات المرات في الإذاعات السمعية والبصرية، الخاصة والعامة!

 

فهل إدارات هذه الوسائل عاجزة عن دفع هذه الموبقات، أم إنها مثل تلك الشركات في احتقار اللغة العربية وعدم المبالاة بمشاعر الناس، ولا يهمها إلا قبض ثمن هذه الإصابات المصيبة؟!

 

أما "الهابا" (الجهة الرسمية لتنظيم وسائل الإعلام) التي تهز قرون استشعارها من حين لآخر لأتفه الأسباب، فالأمر كأنه لا يعنيها مع أنه أخطاء مهنية وإساءة على مشاعر المجتمع ومقدساته وتاريخه ومستقبله… صحيح أن كف هذا الشر المستشري المُعدي، بتكراره المستمر، لا يكلفها سوى إصدار تعميم أو مذكرة إلى الطرفين أو أحدهما تحذر من هذه الأخطاء الخطيرة وتأمر بإعادة تسجيل تلك الإعلانات بشكل مقبول…

 

وهناك جهات أخرى، هي وزارات كبيرة في الواقع، لا تبالي أيضا بمنكرات أخرى يختلط فيها سوء الذوق بسوء الأدب، بل تتجاوز ذلك أحيانا لتضرب العقيدة في الصميم.

 

تلك هي الفوضى العارمة في عالم اللافتات والأسماء التجارية في البلاد. فبينما تمنع دول عربية وإسلامية وضع لفظ الجلالة أو اسم النبي صلى الله عليه وسلم ـ حتى لو كان من اسم شخص ـ في أي عنوان تجاري، تملأ شوارع مدننا عناوين منكرة مثل "بقالة الله أكبر (تعالى ربنا)" و"محطة الرسول (صلى الله عليه وسلم)" و"غسال لا إله إلا الله" و"ميشلان الصحابة"… الخ.

 

فلا وزارة التجارة ولا وزارة الشؤون الإسلامية ولا البلديات… يهمهم من أمر هذه العناوين المدنِّسة والمحقِّـرة لأقدس الأقداس… إلا جباية الضرائب والرسوم عليها!!.

 

إن أصحاب هذه المحلات يتنافسون في هذه "الموضة" ـ مع الأسف ـ تبركا وربما تعبدا في الظاهر، وطلبا للمال في الواقع؛ ولكنهم لا يفعلون ذلك عن سوء نية وإنما عن جهل بحكمه وغياب كامل وشامل لتوجيه ومراقبة ومساءلة أي جهة رسمية!!

 

ومن أبشع خشونة الذوق ورداءة التقديرـ مع قدر من الجشع أيضا ـ ما تقوم به بعض المدارس والمؤسسات التعليمية من تفصيلٍ رديءٍ لملابس الأطفال من ألوان وقماش العَلم الوطني الخالصة.

 

وما علم مسئولو هذه المؤسسات أنهم يسيئون بمنظر هذه الثياب المتمزقة والمتسخة على الأطفال، إلى العلم الوطني إساءة بالغة ويكسرون احترامه وإجلال ما يرمز له، بدلا من احترامه وتلقين معانيه الوطنية للناشئة.

 

توحيد الزي المدرسي ـ خاصة في المراحل الأساسية ـ معمول به في معظم دول العالم، ولكن لا يوجد في أي بلد زي من ألوان عَلمه الخالصة، وإنما قد يكون هناك اقتباس منه أو ما يشير إليه ملصقا أو مرفقا بالزي.

 

إن ذلك ليس كل شيء. فهناك مظاهر ولافتات لا تمس المقدس ولا تتعلق بالرموز الوطنية المصانة، ولكن رداءة الذوق فيها وقبح الاختيار تصدم أيضا وتؤذي العين وتعمي البصيرة، وقد يكون ذلك في لغتها أو تركيبها أو رسمها أو اختيار ألوانها…

انظروا ـ مثلا ـ إلى الواجهة الجديدة للبنك المركزي الموريتاني، فقد جرى بناؤها الخرساني بشكل قوس  قبيح لا جمال فيه ولا إتقان، مع أن الغرض منه الوحيد المعقول هو غرض جمالي قبل كل شيء. ولكي تكتمل بشاعة مدخل هذه المؤسسة الكبيرة تمت إزالة الخط العربي الجميل الذي كان منقوشا به اسمها منذ تأسيسها، وكتب ما يُعتَـقَـد أنه نفس الاسم بخط أقرب إلى آثار "بوجعران" على كثيب مهيل!.

 

ترى كم يكلف "الهابا" إصدار أمر لوسائل الإعلام بعدم إذاعة إعلانات مسجلة (غير مباشرة) تكسر قواعد اللغة العربية الأساسية (إجماعا)، وكم يكلف وزارة الشئون الإسلامية إصدار فتوى أو خطبة بما يجوز وما يحرم وما يسئ الأدب الشرعي من الأسماء والعناوين التجارية، وكم يكلف وزارة التجارة والبلديات منع ومصادرة تلك اللافتات غير المؤدبة ولا المهذبة… وهي التي تحصي اللافتات كل يوم لوضع الضرائب والمكوس عليها، وتنزعها بذريعة عدم الدفع؟!

 

أخيراً لم أتساءل في هذا الخضم والعوز عن دور الهيئات غير الحكومية، وخاصة تلك التي ترفع الدفاع عن اللغة العربية أو حماية المستهلك أو خلافهما من المنظمات غير الحكومية التي تملأ الأرض… لأنها ببساطة لا يكسب أصحابها شيئا ماديا عاجلا من العمل الفعلي الجاد في هذا الميدان، رغم أنه في المقابل لا يكلفهم شيئا ماديا.

 

الأحدث