تخطى الى المحتوى

الديمقراطية الموريتانية: (من الدكان إلي البقًالة إلي المجمًع!)

جدول المحتويات

                     

شكلت التجارة الوعي المدني للموريتانيين، وقد عرفوا المدنية ومارسوها من خلال ارتباطهم بالأسواق، والدكاكين بصفة خاصة، مما طبع في أذهانهم فكرة الدكان بوصفه مظهر المدنية الوحيد، وخلال مرحلة الاستعمار شهدت البلاد حركة تجارية نشطة بين مخيمات البادية الموريتانية، والمدن الإفريقية، وقد رسخت لديهم تلك الممارسات التجارية اهتماما خاصا بفتح الأسواق، وإنشاء الدكاكين، ولم يكن الدكان (البتيك) مشروعا اقتصاديا محضا، ولكنه ارتبط بالظاهرة السياسية والثقافية، واتخذ منه المثقف الموريتاني مكانا مناسبا للنقاش السياسي والثقافي، والتلاقح الفكري، والتنسيق العملي، وقد اكتسب المواطن الموريتاني مفردات وعيه من خلال التبعية الاقتصادية، والدور السياسي للدكاكين وأصحابها.. ومع قيام الدولة نشأت ثقافة افتتاح الدكاكين كمؤشر واضح على دور الدكان الأساسي في قيادة المجتمع، وتوجيه سلوكه، والتأثير عليه بالإضافة إلى الاستفادة المادية بالطرق المختلفة، ومن الأدلة الواضحة على رسوخ هذه الظاهر، وتجذرها في الممارسة السياسية اللاحقة اعتماد النظام السياسي الأول في البلاد على التجار وأصحاب الدكاكين لتوجيه المجتمع، وقيادة فروع الحزب ومكاتبه، وكان الانتساب لحزب الشعب يجلب دخلا كبيرا من خلال الاشتراكات التي تمول الدكاكين وتسير من خلالها دفة الحزب، ودكانه الموازي، وجاءت ظاهرة العمل التجاري للشباب الموريتاني في بقاع العالم لتعمق الظاهرة؛ فالشباب الموريتاني معروف في دول المهجر بمزاولة مهنة واحدة وهي البيع في دكاكين صغيرة، وبنفس الأسلوب التجاري الثقافي المٌنتشر في البلاد، ولذلك كانت ثقافتهم بعد العودة لا تحمل من مضامين المدنية شيئا يذكر، وعلى النقيض من ذلك تدعم وتحفز النمط "الدكاني" في الحياة الاجتماعية، والسياسية.. وشيئا فشيا أصبحنا أمام تراث اجتماعي يؤسس لهيمنة كاملة للنظرة "الدكانية "في كل مجالات العمل، والحياة الاجتماعية، والسياسية.

 

ومع الانقلاب الأول على السلطة المدنية التي نصبها الاستعمار الفرنسي دخلت الممارسة "الدكانية" مرحلة التجذُر والتعمق في النسيج الاجتماعي والسياسي، وقد عكست الحواضر الموريتانية من العاصمة انواكشوط إلى بقية المدن الكبيرة انتشارا واسعا لثقافة الدكان، وممارسة الوعي المدني والسياسي من خلالها، وأصبح واضحا أن أي نفوذ سياسي سوف يبدأ بفتح دكان، وهذا الدكان ليس بالضرورة من أجل تحقيق هدف اقتصادي محدد لأسباب أهمها: – رأسماله غير المحدود، – تسييره غير المعقلن، – ارتباطه بذاتية الشخص، ومغامراته السياسية الاجتماعية، ولا أدل على ذلك من أن المحل التجاري المسمي عندنا بالدكان مهما كان صغيرا ورأسماله ضئيل إلا أنه يمارس مهام البنوك في العالم من خلال أسلوب الاقتراض بفوائد مادية، ويضيف إليها أخري سياسية واجتماعية، وتتعرض هذه الدكاكين للإفلاس دون أن يطرح ذلك مشكلة لأصاحبها لأنه في نظرهم يحقق أهدافا غير تلك النفعية المباشرة، وقد توسع دور الدكان في المدن الموريتانية بعد دخول النساء علي الخط ليضفن له مجالات أخري في الاختصاص، والممارسات الاجتماعية، والمتاجرة في عوالم جديدة تمتزج فيها القيم المادية مع الأخلاقية، والسياسية، ويتشكل من ذلك خليط عجيب يجعلك ترى دكانا مفتوحا في الليل، ومغلقا في النهار مع أن تجارته قابلة للبيع في كل الأوقات، وتراها توصد أبوابها في النهار مع أن فائدتها في الليل أقل… هي مشاريع لأغراض متشعبة قد لا تكون معايير الربح والخسارة بالمعني الاقتصادي مأخوذة في الاعتبار عند افتتاحها، ولكنها أسلوب في التعاطي مع مقتضيات الحياة المدنية حسب فهم الموريتانيين، وخلفياتهم الثقافية المتخلفة جدا، والمتراكمة عبر تاريخ من اللاوعي السياسي، والمدني… وقد لاحظ الجميع في العاصمة بروز الدكاكين في الانتخابات البلدية قبيل دستور 1991م والانتقال الشكلي إلى التعددية الحزبية، وقد كانت اللائحة الخضراء وقتها لائحة التجار هي الأكثر حصدا للأصوات، وحدث إثر ذلك الانتقال السلس لتجربة الدكان بكل مضامينها إلي أسواق السياسة الموسمية، ومارس الجميع من خلال تلك التجربة الولوج المباشر إلى عمق المفهوم السياسي في الديمقراطية الصورية الموريتانية، وأصبحت حيازة رخصة حزب لا تختلف في شيء عن حيازة رخصة دكان؛ فكلاها موسمي يمكن أن يبقي مفتوحا دون نتيجة مباشرة، ويمكن أن يحقق أرباحا طائلة في أوقات قياسية، وبأقل التكاليف، وقد نجح الكثير من أصحاب الدكاكين في المراحل الأولى للممارسة الديمقراطية "المزعومة" في جني الأرباح، والحصول علي المكاسب المادية، والسياسية – لا فرق -، ولكن الدكاكين تطورت قليلا في الشكل لتطل من جديد في ثوب أكثر حداثة، ومسايرة للركب من خلال "البقالات" وهي: تجميع للدكاكين أو توسيع لرأس المال، أو مجرد عبارة من عبارات الموضة، في كل الأحوال فرضت البقالة نفسها على واجهة ما كان يعرف بالأمس القريب بالدكان، وربما كان السبب المباشر في هذه النقلة النوعية (وهو ليس بالطبع اقتصادي) يعود إلى الأرباح الكبيرة التي جناها بعض أصحاب الدكاكين في أروقة السياسة، وسمحت لهم بالتوسع في ذات المشروع ..واستمرت البقالات في معركة "الإنماء والتطور" محدثة زخما أقوى في الواجهات الجذابة، والمظاهر الباهرة حتى أن الدولة نفسها قد أصبحت في نظر رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية – الذي أطاح بنظام حكم معاوية ولد الطايع –  بقالة كبيرة، وقد شرح اعلي ولد محمد فال المسألة قائلا: إن ما لا يعرفه الناس عن "الدولة البقالة" هو أن كل المواد، والعلب، والأكياس التي تملأ واجهة البقالة منتهية الصلاحية، وهي بذلك ليست سوي مظهر زائف للغني أو هي بعبارة أخري تعبير حقيقي عن إفلاس وانهيار الدولة.. وقد كان هذا التصوير دقيقا في  ربطه بين واقع الدولة، وأسلوب البقالة، وقد فسر لنا المضمون الحقيقي لأسلوب البقالة، وطريقتها في استلهام عناصر الخداع المظهري من الحياة التجارية، وتطبيقها علي الممارسة السياسية، وقد برع تلفزيون "نظام البقالة"  وقتها في إخراج صورة الإنجازات التاريخية، والعملاقة، وصوًر واقع البلاد بما يشبه أكثر الدول تقدما، وتطورا! وصدق الناس الأمر، وقاسوه على ثقافة البقالة التجارية التي كانت ذات يوم قريب دكانا صغيرا على حافة الإفلاس، ولم يكلف صاحبها الانتقال بالدكان إلي بقالة سوى قليل من الطلاء والألوان والزخارف، وبعض الأكياس الخاوية، والحاويات الفارغة..

 

فرح الناس لأقوال رئيس المجلس "المنقذ والمخلص" التي قدمت تصويرا واضحا وواعيا لأوضاع البلاد، وما آلت إليه خلال مسيرتها السياسية والديمقراطية، لكن الأمور تكشفت  بسرعة مذهلة مع الانقلاب الجديد، وظهر أن الرئيس الانتقالي لم يكن سوى عامل "أجير" أو "وقاف" عند صاحب البقالة الجديد، وأن الانتقال القادم سيكون في نفس المسار، وإن تغير الاسم ليدخل المجتمع و الدولة عالم: "المجمعات الكبيرة".

 

صحيح أن مجمع "مانويلا" – بمقاطعة عرفات بالعاصمة – كان سباقا في الظهور في عالم التجارة والموضة، مثل ما كان دكان صغير- بسينلوي في جمهورية السنغال- حاملا لمشروع الاستقلال الوطني – إلا أن تطبيقات منهج "المجمع السياسية" جاءت متلاحقة مع المنعرج الفريد من نوعه في زعم العسكريين الذين ضللوا الشعب، والنخبة، وحجبوا بأقوالهم عن الجميع خلفيات وعيهم، ومرتكزات نظرتهم السوسيو- ثقافية، وألهموا السياسيين أسلوبا أعمق في ممارسة الديمقراطية على طريقة "المجمعات"…

 

إن تاريخ المعارضة السياسية الوطنية مرتبط عضويا بخط السير العام الذي تحدده الثقافة المحلية، ولا يكاد المعارضون يتخلفون عن نفس الأساليب، والوسائل – وإن بدا- أن أقوالهم تدعي غير ذلك؛ فإذا نظرنا إلي معارضتنا الوطنية، وأسلوب عملها لوجدنا نفس الملامح بارزة في خلفياتها القريبة: – الأحزاب "الدكانية" (أي التي تسلك نهج الدكاكين) موجودة في المعارضة وإن بعدد أقل من الموالاة – الانتقال من الدكان إلى البقالة حدث بالفعل مع الائتلافات، والجبهات، والمنسقيات المعارضة، أما النهج الجديد الذي دشنته مرحلة ما بعد نهج البقالة، أو ما بعد نظام الرئيس السابق معاوية ولد الطايع، فهو ما يحصل الآن مع المجمع المعارض (المنتدى) ونظيره المقابل المؤيد للنظام، وقد تكون صورة المجمع أوضح في منتدى المعارضة منها في مولاة النظام؛ فهذه الأخيرة لا تحيد كثيرا عن ما انطبع منذ فترة  في الأذهان من أساليب التملق المعروفة، والراسخة، ولكن المشهد السياسي المطرز بأساليب التحايل التجارية، والمكيافيلية السياسية يظهر جليا في تجمع المنتدى الذي حمل المعارضين الحقيقيين على الارتماء في أحضان دكاكين السياسة الموريتانية، والاندماج معها في مشاريع اللاوعي المؤسسة علي المنفعة والمراوغة من أجل المصالح الفردية والجماعية بعيدا عن عمق الفكرة الديمقراطية المعارضة، والتي منعت في السابق المعارضة من موالاة الأنظمة، وها هي تجعلها اليوم توالي أتباع تلك الأنظمة، وبقاياها، وتؤسس معها لطموح سياسي موحد ومتجانس!!


 

الأحدث