جدول المحتويات
كان العميد في لحظة معينة يتحول فعليا إلى "أستاذ ورئيس قسم" وكان رئيس الجامعة ومن خلفه الوزير وربما رئيس الجمهورية يتحولون إلى "حلفاء" جدد في مواجهة "المحور الطلابي" الجديد مع فارق الإمكانيات المنطقية واللوجستية بين قصف بيرل هاربر وبين إلقاء حجر على شرطي مدجج بالسلاح الحي والعقل الميت، ومع فارق التوقيت بين الغيوم التي أنقذت كوكورا من الرجل البدين وبين سحب القنابل المسيلة للدموع التي تحاول ثني طلاب عفويين عن نيل حق لا هو بأقصى ما يرجون، وإنما لدناءة البيروقراطية في دولة ناشئة جدا تحول ذلك الحق الأدنى بفعل الواقع المرير من نقطة صغيرة على عريضة مطلبية طويلة إلى لافتة كبيرة تضم تحتها كل مظاهر التخلف الحضاري بدءا بتسييس مباشر ثنائي الاتجاه لجامعة يتيمة، وصولا إلى حرمان المتعلمين والمعلمين من حقهم في ممارسة العلم بعيدا عن ضوضاء الفساد الإداري.
وحتى مع ذلك المشهد المعقد كانت ثنائية التعليم والنضال تبدو باهتة إلى حد بعيد، رغم انتزاع الحقوق بقيت باهتة، رغم تراجع الوزارة الوصية عن إغلاق المعهد العالي وتوقف المظاهرات في جامعة نواكشوط بعد الوعد الرسمي بإعادة الانتخابات الطلابية بقيت الثنائية ناقصة، حتى بعد الانتصار الفعلي الرمزي للطالب على عميده ووزيره ظل الفعل النقابي مشوشا جدا، وظلت الأكثرية الساحقة من الكتلة الطلابية صامتة تترقب في أحسن الأحوال وتتذمر في أسوئها من تلك الفوضى التي منعتها حقها في التعليم، وما ذلك إلا لأن الخطة أصلا كانت تقضي أن يكره الطالب واجبه نحو نفسه ووطنه وعلمه الذي يطلب، واجبه الذي يقضي بأن يناضل من أجل حقه في طلب العلم بكرامة لا توقفه ساعات في صف طويل جدا عند نهايته وجبة لا تسمن ولا تغني من نصب، ومع الكره خوف من ما رأى غيره يتعرض له من القمع والتنكيل، ومع الكره والخوف فقدانه للثقة في العمل النقابي بعدما مُيّع من طرف أصحاب القرار، رسميا بملء الساحة بعشرات الاتحادات الطلابية التي لا تحمل حقا ولا تقدم واجبا، وسياسيا بتقسيم الطلاب واتحاداتهم إلى خنادق إديولوجية تتبع لهذا الفيلق أو ذلك، ترجع في تحركاتها وفي قراراتها إلى هذا الحزب أو ذاك وتخدم في المحصلة جماعة أو أخرى، فإذا تكاملت رباعية انعدام الحق الأدنى من الكرامة، والخوف من القمع، وكره ما يعكر صفو الساحة الطلابية، وعدم الثقة في العمل النقابي (جادّا كان أم هازلا) إذا اجتمعت تلك، فإنها تصل بنفسية الطالب إلى مرحلة "التدجين الكامل" وهو ما كان.
وحتى لا يفهمني البعض خطأ، فعندما أتحدث عن "التدجين" فأنا لا أعني تماما فعل التغييب الفكري والتعطيل العقلي للإنسان الواعي، بقدر ما أعني حرمانه من حقه الأول: التعبير عن نفسه وآرائه ومعتقداته، ما يريد وما لا يريد، وبالتالي تحويله إلى آلة تفعل فعل الأمر وتقعد مع فعل النهي، وذلك أخطر على مستقبل الأمم والدول الناشئة من تعطيل الذين لا علم لهم أصلا وغير معنيين بواجب النضال من أجل الحقوق، ولا علاقة لهم بثنائية الحق المفروض والواجب المشروع، ثنائية العلم بالدراسة والوعي بالممارسة، ثنائية الفهم والفعل، ثنائية الأخذ والعطاء.. إن القمع الذي تمارسه السلطة ضد كل من يطالب بحق له أو من يساند مطالبا بحق، ليس عندي أسوأ بكثير من القمع الفكري الذي يتعرض له الطفل في محيطه الاجتماعي بحدود تحتجزه داخل علبة من الأوامر الصارمة حتى يدخل الابتدائية تلميذا لا يعرف عن العالم إلا النزر اليسير ولا يعرف حتى كيف يسأل، فيلقّن ما يراد له وتحجب عنه الوقائع مقابل تعليمه الحقائق، فينمو عقله على الطاعة لا على التطوع ويتعلم منذ صغره أن هناك دائما من هو أكبر منه ليعطيه المعلومات، فيتحول العلم في سيكولوجيته إلى بضاعة هو لا يملك حق استيرادها ولا تصديرها ولكنه كسائر القطيع حوله مستفيدون مما يعطيه لهم "المعلم" أو "الأستاذ" مستفيدون من علم يظنونه منًّا وهو في الأصل حق لهم لا ينازعهم فيه إلا ظالم، حتى إذا بلغ التلميذ مرحلة "النضج الثانوي" وتجاوز عتبة الباكلوريا إلى الجامعة، وجد أمامه مستوى آخر من التعطيل الفكري، فبعد المناهج الفرعونية التي لازمته منذ الصغر، يدخل "إنسانا" إلى "الكهف" بعد ملايين السنين من خروجه، ويعود لنفس الجدار يرسم غزالا ولا يعرف اسمه، يكوي بالنار منهجا تعليميا هزيلا متهالكا ويلتهمه على عجل، ثم بعد سنين ثلاث إن كان محظوظا يخرج مسرعا من الكهف ليتفاجأ أن العالم قفز فجأة من العصر الحجري إلى عصر الذرة والنانوبوتس وفيزياء الكم، فلا يملك حتى أن يتسائل ما هذا أو يعترض على ما فاته، لأن لحظة الاعتراض تجاوزت ولحظة طرح السؤال حرم منها وهو محتجز على مقعد قيل إنه للتدريس لكنه حقا وجد ليمنعه من القيام بواجبه الإنساني الأخلاقي في التعبير عن ذاته وما يريد.
إن ما سبق وإن كان مجرد كلام عام جدا، فإنه في سياقه يوضح السبب الرئيسي لصمت الطلاب الموريتانيين على حالهم المزري، ووقوفهم في طوابير طويلة جدا على مطعم بمقاييس عالم اليوم لا يصلح حتى لسجن أبو زعبل، ويفسر تزاحمهم في حافلة لا تتسع منطقيا لربع العدد الذي يركبها عشرات المرات أسبوعيا فهي لذاتها غير مخصصة لذلك الكم من الضغط البشري والطالب لذاته لا يجب أن يوضع في مثل تلك الظروف النفسية القاسية، لكن بالنظر إلى تسلسله الأكاديمي – أي الطالب – من طفل غير شغوف بالمعرفة إلى طالب يجتر بقايا العلوم البشرية المتبخرة من مناهج العالم الأول، يمكن رؤية جزء آخر من الصورة بوضوح، رؤية المتسبب الحقيقي في معاناة طلاب اليوم، رؤية المسؤول غير المسؤول عن الإهانة المباشرة التي يتعرض لها طلاب وطالبات يظنون عموما أنهم هناك ليتعلموا بينما الحقيقة التي يصل إليها قليل منهم جدا، أنهم هناك فقط ليأخذو ورقة أخرى مصدقة مكتوب عليها الإسم وشهادة إنهاء مرحلة أخرى من حياتهم، والغالبية لا تدرك ذلك إلا بعد سنين من التسكع في شوارع نواكشوط دون عمل ودون علم، حينها فقط يدرك ذلك الطفل البريء، يدرك ذلك الشاب العشريني، تدرك تلك الفتاة العفوية أن زهرة الشباب ضاعت في مطاردة الحلم الخطأ!
المسؤول هو ببساطة صاحب الأمر والنهي، ذلك الذي ألزم الجميع (طلابا وأساتذة ومفتشين) بمناهج بالية في ظروف أكاديمية تحت المستوى المقبول بشريا بآلاف الدرجات، المسؤول الأول هو ذلك الذي لن يستقيل أبدا من منصبه، هو ذلك الذي يفخر بأنه دشن جامعة بمعايير عالمية، بينما الحقيقة أن الجامعة لا تطلق على البنيان وإلا لكان كل فندق جامعة بل لكان القصر الرمادي – الذي يسكنه بترف – هو أفضل جامعة في شمال إفريقيا، على الأقل به مساحات خضراء للاستراحة والمطالعة وتصل إليه الطرق من كل صوب وله مطلع لا تحلم بوجباته أغنى العائلات، وبه من الغرف ما يسمح بتدريس جل الطلاب الموريتانيين! لكنه ليس جامعة، تماما كما أن المركب الجديد ليس جامعة بالمعنى الأكاديمي الكامل، فلا منطق في أن تلقي ثمانية آلاف طالب خارج حدود وصول النقل الصعب بطبيعته، دون أن توفر لهم ما يوصلهم إلى هناك، ولا معنى أن تتوقع من طالب مهما بلغ جده ومثابرته وفهمه لواقع الأمر أن يكون نابغة وأن يساعد في بناء وطنه وهو غير قادر على تقبل واقعه لأن الواقع الذي صنعته له لا يمكن تقبله من ذي عقل سليم.. إلا إذا كان هدفك أصلا أن لا يخرج من الجامعة نابغةً عن طريق مناهجك على الأقل، هناك على كل حال إصبع اتهام سيعود إلى العميد ورئيس الجامعة والوزير والوزير الأول الذي دشن المركب وإلى رئيس الجمهورية الذي أعلن سنة للتعليم بها فاضت كأس فساد ذلك التعليم، هناك دائما أثر سيعود إلى المجرم الأول بحق الطلاب وهناك دائما تاريخ سيكتب أنه منذ استقلال الجمهورية الموريتانية الأولى عن الجمهورية الفرنسية الخامسة لم ينجح كل من ادعوا الإصلاح في الإصلاح، وفشل كل من ادعوا نجاح إصلاحاتهم في إقناع أنفسهم قبل الآخرين أن ما يقومون به فعلا مفيد لمستقبل البلد، في النهاية ربما ينجح الطلاب في انتزاع حقوقهم في التعليم بالنضال كما فعلوا من قبل، لكن ذلك لن يغير من واقع الأمر شيئا كثيرا وسيكتب التاريخ أن الدولة والمجتمع الموريتانيّين تواطئا عمدا أو عفوا على "تدجين" الأطفال والتلاميذ والطلاب حتى خرجوا من الحياة الجامعية بشهادات ناقصة لأن أصحابها غير قادرين على العطاء، غير قادرين على الرفض.. غير قادرين على التغيير.