تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

تمجد المقاومة المسلحة تارة وتارة أخري نرى بعض الكتابات والخرجات الإعلامية تكثر الحديث عما بات يعرف بالمقاومة الثقافية وعن دورها الجبار في مقاطعة المحتل الفرنسي وتحريض المجتمع على مناهضته. لدرجة أنه قد يخيل إليك وأنت تتنقل بين القنوات المحلية أن تاريخ هذا البلد يصدق فيه المثل البيظاني القائل "تونكاد إلا بين راجلين "ليحملك هذا التجاذب الفج بين إيحاءات الخلفيتين على فضول يفضي بك إلى التساؤل و البحث فيما بين سطور ماضي هذا المجتمع عن أي أثر لأدوار باقي مكونات مجتمعنا بعد أن ضاقت سطوره المقروءة والمروية عن حمل ما خف منه.

 

 وفي الحقيقة هي كلها أمور تدعونا للتأمل والبحث وتحري الحقيقة خاصة مع عصر السرعة وتوفر المعلومة والوسائل المعينة على الوقوف على الحقائق والتي لن يكون بالإمكان تزوير التاريخ وافتعال البطولات معها، غير أنه يجب علينا عزيزي القارئ قبل أن أدخل وإياك في تساؤلاتي أن نعرج على بعض المعطيات العلمية التي قد تكون مفاتيح للتأمل ومنطلقا ومعطى يؤسس لتساؤلاتنا وتأملاتنا.

 

أما المنطلق فهو أن جل الباحثين في علم الأنساب والتاريخ كتبوا عن أصول المجتمع الموريتاني وقسموها إلى ثلاثة أعراق أساسية (البربر، الزنوج، العرب) صنفوها في ما بعد إلى ثقافتين أساسيتين أو مكونين بالأحرى هما (البيظان، ولكور} يتكون كل من هذين المكونين المذكورين من مجموعة من الطبقات حيث يتكون مكون البيظان من (لعرب ـ ازواية ـ لمعلمين ـ لحراطين ـ إيكاون ـ آزناكه) ويحتوي كذلك مكون لكور بمجموعاته الثلاثة المعروفة على نفس الطبقات المذكورة في مكون البيظان مع الاختلاف الطفيف في بعض التفاصيل.

 

ومن المعلوم أيضا أن طبقتي لعرب وازواية هي الطبقات الأورستوقراطية داخل كل من مكوني البيظان ولكور وأنه إذا أتينا إلى تسليط الضوء على طبيعة التعامل داخل المجتمع إبان فترة الاحتلال سنجد أن طبقتي لعرب وازواية من مكوني لكور والبيظان كانتا ولا تزالان هما اللتان تحتكران ريادة وتمثيل المجتمع ـ إذ لا ذكر لأدوار الطبقات المهمشة في المكونين (البيظان ولكور) في أي محور من محاور التاريخ خاصة إذا تعلق الأمر بالأداء التاريخي بشكل عام وبالمقاومات بشكل خاص.

 

 وإذا أخذنا في الحسبان أن أدوار الطبقات الأوروستوقراطية انقسمت مراعية التوزيع الوظيفي في المجتمع إذاك مابين مهتمين بالعلم والتعلم وآخرين منشغلين بحمل السلاح سواء ما تعلق منه بالذود عن الحمى (الإمارة أو التراب) أو ما تعلق منه بمحاولة صد المحتمل فإننا سنجد وكما كتب بعض المؤرخين أن هناك من استقدموا المحتل وفضل دخوله بما يحمل من أهداف على حالات عارضة من اختلاف واقتتال السكان المسلمين في ما بينهم بل وأفتي بحرمة قتاله ومناهضته في حين استعان بعض أبناء أسرة الإمارة الواحدة بالمحتل على بعضهم. هذا إلى جانب توظيف جل المتعلمين تعليما عصريا في إدارة المحتل الفرنسي وعمل أصحاب اللغة منهم على تسهيل أعمال المحتل وتزويده بالمزيد من المعلومات عن خصوصيات المجتمع عن طريق ما عرف بمهمة المترجم "أملاز" بعد أن تلقوا التعليم في المدارس الفرنسية. السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف نستقدم محتلا وتفتي قاماتنا العلمية بجواز دخوله وحرمة مناهضته ثم نتحدث بعد ذلك عن مقاومة ثقافية؟

 

كيف نعمل على تسهيل الخدمات ونقبل بالتوظيف بل ونطلبه ونسخر طاقاتنا المادية والذهنية لخدمة المحتل (الترجمة وبقية الوظائف الإدارية الأخرى) ثم نتحدث عن مقاومة ثقافية؟

 

كيف نتعاون مع محتل ونزوجه من بناتنا ونعطيه العشر بل ونجمعه له ونبلغ عن الذين يرفضون ويتخفون ثم نتحدث عن مقاومة ثقافية؟

 

وكيف يكون جل المتعلمين من أجيالنا الأولي (الجيل المؤسس) تلقوا تعليمهم في المدارس الفرنسية تحت إشراف وبرعاية المحتل ثم نتحدث عن مقاومة ثقافية؟

 

كيف يختار المحتل من قاومه ثقافيا كما يرى البعض ثم يسلمه البلد؟ أيعقل أن يكل المحتل إدارة بلد سيتضح في ما بعد أنه لم ينهي مشروعه الاستعماري له عندما هم بالمغادرة إلى من قاومه ثقافيا إبان وجوده على الأرض في فترة الاحتلال الواضحة؟

 

 لماذا اختار المحتل مجموعات بعينها سلم لها الحكم الظاهري للبلاد؟ وما الدور الذي لعبته المقاومة الثقافية في تحصين أبنائنا ضد ثقافة المحتل وأدبياته خاصة الجيل المؤسس والأجيال التي تلته؟  ألم تكثر موالاة المحتل في الزعامات التقليدية الأوروستوقراطية؟

 

أين أثر المقاومة الثقافية في تكوين مجتمع يناهض المحتل ويثور ضد بقائه أين مظاهر السعي الجماهيري للتحرر من ربقة المحتل كأبسط تجلي للمقاومة الثقافية؟ أين أثر المقاومة الثقافية في تخريج جيل متحرر على الأقل في قناعاته وتفكيره الإستيراتيجي يخوله في ما بعد بناء دولة ذات سيادة وإرادة حرة بعد أن منحوا الاستقلال؟

 

أين دور المقاومة الثقافية والمحظرة كمؤسسة تعليمية ذات خلفية إسلامية يقوم عليها علماء ومشايخ أين دورها في صياغة مجتمع مسلم سليم من أمراض الجاهلية وعبيتها وتفاضلها ومعاييرها العرجاء؟ أين كان العلماء والمشايخ حين استحلت فروج نساء لحراطين واستبيحت أعراض لمعلمين وغيرهم من المهمشين المستضعفين وحين حكمت أعراف وعادات المجتمع وضرب عرض الحائط بشرع الله وأحكامه التي تدرس في المحاظر وعند ما نأتي للواقع والتطبيق يطاع سلطان المجتمع وتدار الظهور لحكم الله الذي لا نجهله بفضل المحظرة؟

 

كيف نسمح لأنفسنا بالحديث عن مقاومة ثقافية بعد كل هذا؟ أم أنه يصدق فينا المثل البيظاني القائل: "يعمل معاريفنا يموت ولل ينساو".

 

أما في ما يخص " المقاومة المسلحة" فرغم أنني شخصيا لا أنكر وجود بعض جيوب المقاومة بشكل مسلح نال جنودها وقادتها الشهادة في سبيل ما كانوا يسعون إليه كل حسب نيته لا أنكر ذلك ولا أشك في وجود هذا المستوى من المقاومة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف نحاول ربط الاستقلال بمقاومة مسلحة قضي على أواخر جيوبها في مطلع العقد الثاني لوجود المحتل على هذه الأرض 1910 تقريبا وكانت نهاية ما تبقي من معاركها في نهاية النصف الأول من العقد الثالث من عمر المحتل في البلد؟

 

ثم كيف لمقاومة قضي على آخر مظاهرها في 1934 أن تنتزع استقلال منح في عام 1960؟ أي بعد نحو ربع قرن من تمحض البلد للمحتل دون منازع لا ثقافيا ولا عسكريا؟

 

كيف انتزعت "المقاومة المسلحة" الاستقلال بعد كل هذه الفترة؟ وإذا كانت "المقاومة المسلحة" قد انتزعت الاستقلال بالفعل لماذا لا يتسلم المقاومون حكم البلاد بأنفسهم بعد نيل الاستقلال؟

 

 ومن أين تأتي المقاومة المذكورة بالسلاح هل من البلدان العربية المجاورة التي كانت تئن تحت وطأة المحتل الفرنسي آنذاك والتي بالكاد اعترفت موريتانيا كدولة بعد نيل الاستقلال؟

 

 أم إن السلاح كان يصنع هنا بأياد محلية وجهود ذاتية؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا لا نجد ذكرا لصناع سلاح وذخيرة المقاومة في تاريخ البلد ومقاوماته؟

 

 وما هو الفرق بين صانع سلاح المقاومة وحامله؟ وهل كان بإمكان حامل السلاح أن يضرب عنق أي غازي أو مصدر خطر أي كان إذا لم يمده صانع السلاح بالسلاح والذخيرة الحية؟

 

 لماذا لا نجد له أثرا في أي من أنواع المقاومة؟ وما هو دور الطبقات الأخرى ـ إذ من المعلوم أنه إذا ذكرت المقاومة المسلحة تنصرف الأذهان إلى شريحة "لعرب" حملة السلاح وإذا ذكر ما بات يعرف بالمقاومة الثقافية تنصرف الأذهان إلى شريحة "الزواية" المهتمين بالعلم رغم منافسة لمعلمين في الانشغال بالعلم إلى جانب الصناعة واشتهار بعض أسر إيكاون ولحراطين بالعلم والتميز به إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو أنه من المعلوم أن المقاومة ظاهرة ولكل ظاهرة مجموعة من الأبعاد والجذور فما هو دور الشرائح المهمشة في المقاومة كظاهرة اجتماعية؟

 

ألم يقم إيكاون بالدور الإعلامي للمقاومة أين ذكره؟ ألم يقم لمعلمين بدور صناعة الأسلحة وإنتاج الذخيرة الحية "تكوليب الرصاص" لظاهرة المقاومة أين ذكرهم وذكر أدوارهم رغم محوريتها؟

 

ألم يقم لحراطين بتوفير الجوانب اللوجيستية لظاهرة المقاومة أين ذكرهم؟

 

أيعقل أن كل هذه الشرائح الأخرى لم يوجد من بين أبنائها من حمل السلاح والتصق بالقلم وتمثل القيم وساهم بطرق كثيرة في ظاهرة المقاومة؟

 

أم أن التاريخ والأمجاد والإنجاز ذكره وانتحاله حكر على بعضنا دون الآخر؟

 

أيصب برأيكم الإقصاء الشامل الممنهج الممارس ضد الكثير من مكونات شعبنا ـ بدءا بغمط الأدوار التاريخية ومرورا بالاستعلاء والازدراء وانتهاء بتكريس النتائج الحتمية لذلك في صور التهميش والإقصاء التي لا تخطئها العين الموضوعية ـ في مصلحة شعبنا؟ أيخدم هذا المسعى المتضمن والسلوك الملحوظ في مصلحة ومستقبل بلدنا؟

 

هي تساؤلات واستشكالات كثيرة تدعوا للحيرة وتبعث على اهتزاز الثقة والقناعة بصدقية كتابة تاريخنا ما لم تجد لها أجوبة شافية وكافية من الباحثين الموضوعيين والكتاب المشفقين على هذا البلد المسكين.

 

 

الأحدث