جدول المحتويات
12 سنة كانت بحق فرصة للتكوين والتدريب واكتساب الخبرة، وخوض غمار مهنة أخذت مكانها في القلب تدريجيا كلما احلولكت الظروف، وارتسمت بين أعيننا معالم الخطر، وكان نداء الواجب يحدونا دوما للتقدم من أجل صرح أردناه جامعا لكل الرؤي، ومعبرا بصدق عن آمال وآلام الموريتانيين.
وقد سعيت جاهدا رغم ضعف التجربة وصعوبة الواقع، وقساوة الظروف، من أجل المساهمة قدر الممكن في الرفع من مستوي الإعلام المحلي، وأخذ موقع في الساحة لوكالة آمنت برسالتها النبيلة، مع مجموعة من خيرة الرفاق:
هم الأهل لا مستودع السر ذائع *** ولا الجاني بما جر يخذل
فكانت التحديات صعبة، والرهانات كبيرة، والعوائق جمة، والأخطاء – دون شك – موجودة، لكن حسبنا أننا اجتهدنا من أجل البلد واستقراره، وسعادة شعبه، واحترام كرامة بنيه، وضحينا من أجل الإعلام واستقلالية الرأي فيه، والمواطن مهما كان لونه وانتماؤه، مؤمنين بحقه في التعبير عن نفسه، ووقفنا إلي جانب كل المظلومين في البلد بغض النظر عن اللون والجهة والموقف السياسي، فكنا دون فخر صوت من لا صوت له، ومنبر المحتاج إلينا نمده بأسباب الثبات والتعبير عن الموقف.
لقد ساهمت إلى جانب رفاقي في تغطية انقلابين وأربع محاولات فاشلة، وتابعنا كل الانتخابات الرئاسية الأخيرة بشكل دقيق، وكنا شهودا على الجدل في ثلاث برلمانات متفاوتة التأثير والفاعلية، وخضنا إلى جانب العديد من الإعلاميين الشرفاء معركة رفع السقف الإعلامي، رغم التوقيف والمطاردة وسلاح التهديد، وكنا إلى جانب كل الحقوقيين في وجه أنظمة اتسمت كافة بالأحادية في الرأي والتعبير عن أسوء تجليات التحول الديمقراطي بالمنقطة.
فكانت تغطية محاكمة "واد الناقة" بشهورها الثقيلة و"محاكمة "ولد هيداله ورفاقه" بلياليها المرهقة، وتابعنا ملف السلفيين باستمرار، والمتهمين بالانقلاب على العسكر 2006 بدقة ووضوح، و"حركة إيرا" الساعية من أجل عالم بلا عبودية، وفتحنا المجال لحركة "لاتلمس جنسيتي"، وكان لدينا متسع لفتح الموقع أمام ذاكرة الزنوج الدامية بكل مسؤولية والتزام، واستقبلنا العائدين بعد أن زرناهم في أماكن التهجير والإيواء، وأعطينا للثقافة فرصة، ومع المواطن البسيط كانت لنا وقفات شهرية في قري الحوضين والعصابه وانواذيبو والترارزه والبراكنه وغيدي ماغه، وانفتحنا على الجوار الإقليمي دون ذوبان أو انحياز فاضح، مع اهتمامنا بالشعوب المجاورة المتشوق منها للحرية، والمكافح من أجل الاستقلال والسيادة، ورفعنا شعار آمنا به وناضلنا من أجله وهو "الخبر حق لكل فرد ونحن أحرار في التعبير عن الرأي الذي نقتنع به"، وواجهنا صدود الشارع في بعض الأوقات وتحامل الساسة من مختلف الجبهات بقدر كبير من الثقة في النفس، والاعتصام بالمهنية، والعمل من أجل إرضاء الله أولا، وخدمة الشعب الذي ننتمي إليه ثانيا دون محاسبة متنكر للجميل أو متحامل لهدف هو أعلم به.
واليوم وأنا أتابع بارتياح حجم التحول الهائل في تأثير الوكالة داخل الساحة الموريتانية، وتصدرها المشهد الإعلامي دون كثير عناء، رأيت أنه من الواجب الأخلاقي والإنساني أن أتنحى عن المشهد جانبا، تاركا الفرصة لمن هم أهل للتصدر والريادة، ففي السنوات الفارطة مندوحة، وفي الخلف من الإخوة والأصدقاء ما يسد الفراغ – إن وجد – ويعطي الوكالة نفسا جديدا هي بحاجة إليه ككل المشاريع المتسمة بالاستمرارية والأفق البعيد.
وهي فرصة لأشكر كل الذين رافقوني لحظة التأسيس، وخدمنا معا بكل أريحية لحظة الانطلاقة، وعاملوني كأخ قبل أن أكون رئيس تحرير طيلة المشوار الثقيل، رغم صعوبة الظروف المحيطة، وحجم التحديات التي واجهتنا معا، تحية للأشقاء الذين غادروا بصمت خلال السنوات الماضية كما عملوا بصمت رغم حسن الأداء وعظم التضحية، ولمن هو بعمله اليوم خير معبر عن ذاته وعن حجم الطموح الذي كان يراودنا جميعا.
أسفي أن أغادر الأخبار ولما ينعم الصحفي بالاحترام الذي يليق به في عالم متحول، ولا يزال الشعب الذي ضحيت من أجله يرنو إلي ديمقراطية سلبها الجيش أعز ما يميزها، مستفيدا من ضعف ذاكرة البعض، ومستضعفيه لما يتحرروا من آثار العبودية البشعة، والمجتمع الذي أنتمي إليه لم يكفر بالكامل عن خطاياه تجاه أخوة الدين والوطن، ولم تطو ملفات التهجير والنزوح بالشكل الذي يرضي ضحاياها، ولا يزال في الجوار ضحايا شقيق يعشق التوسع على حساب الغير، وعدو غربي متحفز للهيمنة والسيطرة على مقاليد الأمور في القارة المتخمة بالفساد والانقلابات والأمراض.
وكل سنة ووكالة الأخبار والعاملين فيها بألف خير.