جدول المحتويات
ولعل المطالب الشعبية المتفقة على ضرورة إنهاء المآسي التي يعيشها سكان أحياء الصفيح ،فضلا عن رغبة السلطات العمومية في محاولة تغير ملامح الوجه الحضري للمدينة حتى يأخذ شكله اللائق والمنسجم مع واقع ومتطلبات المدن العصرية.
عوامل من بين أخرى أدرك الرئيس مركزيتها في اهتمامات المواطن، فأراد تحقيق هذه المطالب،حيث شرع مبكرا في إنجاز الدراسات المتعلقة بتنفيذ المشروع على الوجه المطلوب ورصدت الأموال والوسائل اللازمة لإكمال المشروع في فترة محددة وفي إطار برنامج محدد، لتحقيق أهدافه ا الطموحة، إلا أن الرياح تأتي بما لا تشته السفن فقد شكل اختيار المؤسسة المعروفة المسماة وكالة التنمية الحضرية للإشراف على عمليات التخطيط وتقسيم الأراضي على المواطنين طعنة في صميم المشروع أفرغته من محتواه.
وقد تجلى ذلك ابتداء في الأساليب التي اتبعتها الوكالة في عملية الإحصاء وكذا معايير إنهاء المداخلات ثم الاختيار العشوائي للقطع الأرضية ففي كل هذه المراحل التي تبدو في ظاهرها سليمة ونزيهة طبقا للمعايير المعلنة تتفنن الوكالة بعناصرها البشرية القادمة من الشارع دون تجربة وبدون ضوابط سوي تلك المرتبطة بالوساطة والزبونية وغير ها من الضوابط الحاكمة في كل شيء وخاصة التشغيل، يتفنن هؤلاء في التحايل والارتشاء والعمل على إدامة المشروع واستمراره ففي المحطة الأولى المتعلقة بعملية الإحصاء و بشق الشوارع والساحات العمومية ومصادرة الأراضي المغتصبة والتي على أساسها يرحل من يرحل ويثبت من يثبت، قامت الوكالة بجهود جبارة غير عابئة بما لديها من معايير محددة، فتم إحصاء المراحيض والبنايات المهجورة والأشجار والأحجار كما تم إحصاء مئات وربما آلاف القطع الأرضية غير المأهولة والغير مبنية لصالح أشخاص محددين مقابل بعض من هذه الأراضي أو مبالغ نقدية معتبرة كما تم توجيه الشوارع حسب مزاج المتنفذين داخل الوكالة فراح ضحية تلك التصرفات آلاف المواطنين وفي المحطة الموالية فشلت الوكالة في فك المداخلات نتيجة تدخلها المشين في العملية حيث رحلت المظلوم وثبتت الظالم هذا مع ضعف أدائها وارتباكه.
في المرحلة المتعلقة بتقسيم القطع الأرضية كانت الطامة الكبرى فقد أبدع القائمون على عمليات التقسيم هذه، حيث عمدوا إلى عزل كافة القطع الأرضية ذات القيمة التجارية والصناعية وحتى السكنية عن القطع المقسمة على المواطنين عبر نظام القرعة وهكذا استولى هؤلاء المحاربون الأشداء على أهم العقارات في مناطق الترحيل حيث باعوا للتجار واكتنزوا لأنفسهم وأعطوا لمن يحمهم من المتابعة للقريب وغيره ولا زلوا يتابعون السير حثيثا على نفس النهج ويقفون بكل ما ؤتوا في وجه إنهاء عمليات التخطيط التي تجاوزت المدة المحددة لها وربما كان لهم ضلع في تشجيع السكان على احتلال المناطق المخططة.
وإذا لاحظنا واقع هؤلاء سنجد أنهم أصبحوا من فئة الأغنياء رغم أن رواتبهم مابين ضعيفة أو متوسطة ولم يقتصر الفساد عند هذا الحد ،بل أصبحت الأقسام المتواجدة في عرفات ودار النعيم وملح مراتع للسمسرة والمضاربة بأراض الترحيل فمثلا في قسم ملح المسؤول عن الترحيل نجد أن رئيسه الحالي يجتمع حوله كل سماسرة أهله من الصباح الباكر وحتى المساء يحملون المخططات والخرائط يفتشون عن قطعة أرض يمكن الاستعلاء عليها ولم يكتفي رئيس قسم ملح بهذه التعبئة لصماصرة أهله ،بل عميل على استجلاب مقربات منه يعملن ككاتبات بدلا من العمال الذين كانوا مكلفين بهذه المهمة منذ انطلاق عمليات التخطيط ولديهم عقود مع الوكالة ، وهذا يعني أن الوكالة نفسها عبارة عن مؤسسة فوضوية لا يحكمها نظام ولا قانون ولا حتى أخلاق ولا نسى أن الوزارة الوصية شريكة في هذا الفساد وربما استخدمت الوكالة كواجهة لإخفاء تصرفاتها. ومهما يكن فإن الدولة مطالبة بإجراء تحقيق دقيق وشامل في كافة عمليات التخطيط منذ انطلاقها.