تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

لكن الخطر أطل من زاوية أخرى، لم يتوقعها كثيرون قبل سنوات فقط.. إنها ثورة الولاءات الجزئية الضيقة الجامحة.. حراك اجتماعي فئوي و"شرائحي" متعدد الأوجه، يكاد يصم الآذان، ويملأ الأعين.. ضد العبودية تارة.. وتارة ضد تهميش لمعلمين.. وتارات تحت عنوان تمكين لكورومساواتهم بالبيظان*… وتارات من أجل اطلاق العنان لحرية الإبداع الفني والثقافي..!!

تزداد حدة هذا الحراك ويتسع نطاقه يوما بعد يوم، ومعه موجة غير مسبوقة من التململ الإجتماعي، وانتشار الجرائم التي لم تكن تخطر على بال أحد في هذا البلد، منذ عقد واحد من الزمن.. من القتل المنظم إلى الانتحار – بين كل الفئات العمرية – إلى الاغتصاب والسطو المسلح وغيره..

هي أزمة متعددة الأوجه.. فيها لتخلخل منظومة القيم الأخلاقية نصيب كبير، وفيها للإحساس بوقع المظالم الاجتماعية التاريخية نصيب كذلك.. وفيها مؤشر خطير على فشل الدولة الوطنية – رغم بلوغها سن الرشد – في بلورة هوية وطنية جامعة، تستوعب كل مكونات هذا الشعب، وتشعرهم جميعا بالانتماء.

بعيدا عن المظاهر والتجليات العابرة لهذا الثالوث، وآخرها المقال سيئ الذكر، الذي تطاول صاحبه – سامحه الله وعفا عنا وعنه – على مقام سيد البشرية عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، يواجه المجتمع – مجتمعا – امتحانا عسيرا في أهم ما يملك، ألا وهو انسجامه ووحدته وقيمه الروحية المشتركة..

وتقع مسؤولية انقاذ ما يمكن انقاذه في هذا الصدد،على عاتق النخبة والسلطة، الأولى بوعيها بحجم التحدي وخطورته، والسعي لتوجيه الحراك متعدد الأوجه الذي تشهده الساحة، بما يسهل احتضانه والتعاطي الإيجابي معه، والاستفادة منه في تصحيح الاختلالات الاجتماعية المتراكمة عبر الزمن، أما الثانية فبتجاوبها مع هذا الحراك ( حتى لا أقول الحراكات!!) تعاملا جديا جديدا ومبدعا يقطع مع التجارب السابقة..

على النخبة والسلطة معا، أن تعترفا بوجاهة المطالب الاجتماعية المرفوعة، فيما يخص المساواة ومعالجة الغبن الاجتماعي المتراكم، بحق فئات وشرائح بعينها.. وعلى من يتصدرون الحراك الاجتماعي المطالب بالمساواة و ارساء قواعد المواطنة المتكافئة، أن يساعدوا في توجيه دفة الأمور، وجهة صحيحة متوازنة منصفة، تسعى لرفع الظلم، ولا تحل ظلما محله..

لم يعد مفيدا دفن الرأس في التراب، وانكار وقوع أي مظالم تاريخية بحق فئات وشرائح بعينها، لأن ذلك لا ينفع بل يضر على الأرجح، وقد يجر من يرفعون الراية ضد كل الاختلالات الموروثة في المجتمع، نحو التطرف وعدم الثقة في الآليات المؤسسية لمعالجة ذلك، كما يحدث في كل بلاد الدنيا.

فعلى النخبة احتضان المطالب المحقة، وتوجيهها الوجهة الصحيحة، التي تضمن اسهامها في بلورة حلول ناجعة للاختلالات التي يعيشها مجتمعنا، بما يضمن له العبور إلى بر الأمان، ويجنبه تداعيات المعالجات الظرفية قصيرة الأمد.. وعليها أولا وأخيرا، تبني هذه المطالب باعتبارها شرطا من شروط الانسجام الاجتماعي، فقضايا الرق و"لمعلمين" و"لكور" وغيرها.. يجب أن تكون قضايا النخبة مجتمعة، تتنافس في تقديم المقترحات لمعالجتها، لا أن تترك لنُخب ومتنوري هذه الفئات أو الشرائح دون غيرهم..  

وعلى السلطة الحاكمة – ولا أقول الدولة – أن تدرك أن المعالجة الآنية أثبتت فشلها، فتعيين أفراد من فئة معينه في المناصب السامية – كما حدث مرارا في الماضي – لا يعني بالضرورة حل مشكل التهميش بالنسبة لهذه الفئة، بل هو في الواقع لا يعدو أن يكون إلهاء أشخاص بعينهم عن واقعهم السابق، و تشجيع آخرين من طلاب المناصب لسلوك النهج ذاته.. حتى بات حمل لواء التذمر القبلي أو الجهوي أو العرقي أو الفئوي، أقصر الطرق الموصلة إلى أعلى المناصب في البلاد.

وفي ضوء التجارب السابقة لدينا، وبالعودة إلى تجارب الأمم الاخرى، يمكن أن ندرك أن معالجة الاختلالات التي قد تظهر بحق بعض الفئات في أي مجتمع، يكون ببساطة بتبني استراتيجيات مؤسسية طويلة النفس، واسعة التأثير، تعالج جذور الظاهرة التي قادت إلى تهميش هذه الفئات، بما يضمن أن لا تبقى تداعيات لها في المستقبل.

إن مجتمعنا يمر بامتحان صعب بالفعل، لن يخرج منه بنجاح، إلا عبر ترسيخ الثقافة المؤسسية وقواعد المواطنة المتكافئة، وضمان الوصول بشكل عادل بالنسبة للجميع إلى ما يتيحه المرفق العام من خدمات.. فأن تكون الخدمة العامة متاحة للجميع، ولا يحتاج المواطن – أيا كان لونه وأصله وعرقه أو مستواه الاجتماعي – لكي يتسفيد منها إلا التقدم لذلك، وفق مساطر معروفة وثابتة.. هذا هو الذي يحل المشاكل، ويقضي على أسباب الغبن والحيف التي يتذمر الآن منها البعض.. وقد يكون "هذا البعض" الآن أغلبية صامتة.. ولكن من يضمن أنها ستبقى صامتة إلى ماشاء الله.. فالذي أنطق فئات بعينها من الشعب، بعد ما طفح بها الكيل، ربما سينطق قريبا أخرى، وينقل فيروس التذمر إلى باقي الفئات المحرومة، وهي بالمناسبة فئات يتبع نموها خطا أفقيا يخترق كل الشرائح الاجتماعية بمفهومها التقليدي، ليخلق طبقات جديدة على أساس التصنيف المادي، ومستوى المعيشة وفرص الوصول إلى مزايا الدولة، وما يتيحه نمو القطاع الخاص في البلاد.

لذلك حري بنا جميعا أن ندرك حجم هذا التحول القادم.. والذي انتقلت مؤشراته سريعا في ظرف سنوات قليلة، من مجال العالم الإفتراضي الصرف، بصخب وحدة في بعض الأحيان، إلى الشارع وإلى حياة الناس.. ولنا أن قول ختاما إن الحكمة وحدها، هي التي ستنتصر في النهاية.. فالله الله ياناس في وطنكم ومجتمعكم ومستقبلكم ووحدتكم..

——————

* استخدمت عن عمد وسابق اصرار كلمتي لكور والبيظان.. مفضلا إياها على العرب والزنوج لأنها ببساطة بالنسبة لي – وخلافا لكثيرين من كتبتنا (!!) – أكثر تعبيرا وأوضح وأكثر التصاقا بخصوصيتنا واحتراما لمكوناتنا وللوشائج بينها. وأعتبر أن كلمة لكور أكثر حميمية بالنسبة لنا من كلمة الزنوج مثلا..

الأحدث