جدول المحتويات
إن واجب المسلمين أن يُوقنوا أن كل أفعاله صلى الله عليه وسلم و أقواله و تقريراته هي عين الصواب و أقصى درجات الكمال، فما يصدر عنه عليه السلام هو "وَحُيٌ يُوحَى"
و لأن هذه الحياة الدنيا امتحان، فقد سقط و يسقط الكثيرون ممن يصابون بمتلازمة "تلبيس إبليس"، فيظنوا أن شكّهم، في مسائل الإيمان، ضرب من ضروب (الفكر المتنور)، بل و يُزيَّـنُ للواحد منهم سوءُ عمله، فيراه حسنا!
لقد سقط بعضٌ ممن دخلوا الإسلام – و يا لسوء حظهم – في أول اختبار في بواكير الإسلام، نتيجة تشكيكهم في قصة الإسراء و المعراج، مع أنه ثبت حتى عقلا، بعد فترة وجيزة، أنها حقيقة واقعة، حال وصول العير التي تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم و ذكر أين كانت و ماذا جرى لها في تلك الليلة التي توافق ليلة الإسراء. بَـيـد أن بعضا ممن لمّا يدخل الإيمان في قلوبهم وقعوا في الخسران المبين، نتيجة لأنهم لم يقولوا كما قال الصديق– رضي الله عنه – لكفار قريش: "إن كان قالها فقد صدق"!
و حتى عندما بدا للمسلمين في صلح الحديبية أنهم أكبر الخاسرين، فقد وصل الأمر لتساؤل بعضهم "لماذا نعطي الدنية في ديننا؟" لكنهم ظلوا بعد فترة طويلة يستغفرون ربهم و يتوبون إليه لمجرد أنهم طرحوا هكذا تساؤل، و إن كانوا بعدها بادروا إلى الحلق و النحر تنفيذا لأوامر نبي الله عليه الصلاة و السلام. و كانت النتيجة أن عجّل الله تعالى لهم فتح خيبر قبل أن يفتح عليهم فتحا مبينا في مكة.
و بالعودة إلى المسيء الموريتاني – تاب الله عليه – فإن مشكلته أنه عزل وقائع من التاريخ الإسلامي تماما عن سياقها و مضى يضرب أخماسا بأسداس، و يهذي بما لا يعرف، و كان قَـمِـيـنـا به أن يعرف حيثيات الوقائع التي سـرد. إنه عندما يطرح التساؤل لماذا قُـتِـل مقاتلة بني قريظة، و يعْزي ذلك ضمنا إلى كونهم يهودا، فهو يتناسى أن بني قينقاع و بني النضير و أناس دومة الجندل و خيبر كلهم يهود، فلماذا لم تُقتل المقاتلة إلى في بني قريظة؟ هذا مع أن من بين الآخرين من حاولوا اغتياله صلى الله عليه وسلم.
غير أن جناية بني قريظة كانت أبشع بكثير، فقد عقدوا حلفا شريرا مع أحزاب كان هدفه اجتثاث المسلمين، و لم يكتفوا بالتحالف و إنما بدؤوا بالعدوان على المسلمين، فسعد بن معاذ رضي الله عنه استشهد نتيجة لإصابة منهم، و لكن بعد أن حكم عليهم حكم الله. و قصة محاولتهم الهجوم على بيت ليس فيه إلا النساء و الصبيان، و تصدي صفية،رضي الله عنها، لهم معروفة.
ثم إنه لم يُقتل من بني قريظة إلا المقاتلة الذين شاركوا في الإعتداء، فـكُـتُـب السيرة تخبرنا أن عمرو بن سعدى القرظي خرج بعياله مع أنه كان في الحصون المحاصرة، و لكنه نجا لأنه لم يشارك في الاعتداء، و قد قال فيه صلى الله عليه وسلم قولته الشهيرة "ذلك رجل نجاه الله بوفائه".
و غني عن القول إن يهود المدينة إنما جنت على نفسها، فبمجرد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها وقع معهم معاهدة غاية في التسامح، نصت بنودها على أن "لليهود دينهم و للمسلمين دينهم" و أن "بينهم النصر على من دهم يثرب"، فكيف يحق لأي إنسان منصف أن يتعاطف مع مجرمي بني قريظة الذين قتلوا من المسلمين و نقضوا العهود، و ودوا لو يهدمون بيضة الإسلام.
أما غمز المسيء إلى معاملة تفضيلية يلقاها القرشيون على حساب غيرهم فهو أمر لا يستقيم. فمن معجزاته صلى الله عليه وسلم أنه ربى جيلا من مختلف الأعراق، فكانها فيه بلال الحبشي و صهيب الرومي و سلمان الفارسي و لم يشعر أي منهم بأي تمييز و أ حسوا جميعا بأقصى درجات العدالة. و حتى عندما عير أحد الصحابة – في لحظة غضب – بلالا رضي الله عنه بلونه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب الصحبي قائلا: "إنك أمرؤ فيك جاهلية". المعيار إذن في الإسلام هو التقوى فقط. و إلا فكيف يتلوا المسلمون آناء الليل و أطراف النهار سورة فيها دعاء على أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم و زوجته مع أنها بنت حرب و أخت أبي سفيان و تلك لعمري عزة قعساء في قريش.
و كانت الطامة الكبرى أن المسيء شكك في معاملة النبي صلى الله عليه و سلم لوحشي بن حرب رضي الله عنه بعد إسلامه. فقد أجلس عليه السلام وحشيا في جواره و طلب منه أن يقص عليه قتله لحمزة، ثم وجه إليه الطلب: "هل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟" أو كما قال صلى الله عليه و سلم. و هذه قمة العدل، لأنه لا يروق لبشر رؤية قاتل شخص من أحب عشيرته إليه. و لكن وحشيا – رضي الله عنه – عاش مكرما طيلة حياة النبي صلى الله عليه و سلم بل و روى الأحاديث مما يدل على أنه كان يجالس النبي صلى الله عليه و سلم، و منها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أصحابه قالوا: يا رسول إنا نأكل ولا نشبع، قال: "فلعلكم تفترقون" قالوا: نعم قال: "فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه، يبارك لكم فيه". كما جاهد في الله حق جهاده حتى بعد وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام.
و لاشك أن التطاول على جناب النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليحدث في موريتانيا، لم يَكن ليتم لولا أمور مهدت له من قبيل الإساءة إلى ورثة الأنبياء. فهناك أطراف أدمنت إهانة العلماء و كتبهم و مؤلفاتهم، حتى المتوفين منهم و العياذ بالله.
و خلاصة القول فإن من يهده الله فلا مضل له، و لذلك أسلم السياسي الهولندي (أندروفان) بعد ما أنتج فلما مسيئا للنبي صلى الله عليه وسلم. و لكنه بعدها ذهب في عمرة و بكى عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم! و في نفس السياق نسأل الله الهداية لنا و للجميع، بمن فيهم المسيء الموريتاني الذي قال منكرا من القول و زورا.